فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 341

بما حكم [1] . وفي هذا الرد اقتراح للبدائل العلمية الموصلة إلى الحكم النقدي الصائب.

ويبدو أن ما اقترحة الغمراوي هو الصواب إذ أن دراسة تطبيقية توصلت إلى أن ما قاله الدكتور طه حسين من احتواء قصص امرئ القيس الفاحش على فن ابن أبي ربيعة وروح الفرزدق كلام لا يتفق مع الصفات النفسية الخاصة لشعر امرئ القيس، وهي صفات لا تكون إلا لمن عانى تجربته الوجودية بكل أبعادها التاريخية والفنية. فالنقاد يلتمسون بعدًا نفسيًا معينًا وراء هذه الظواهر الحسية في شعره، وكأن في هذا التكثر بذكر مغامراته والتصريح بمجونه ولهوه ضربًا من التعوض عن نقص كان يعانيه بالنسبة للنساء فقد كان مفركًا مكروهًا منهن، وقد سعى في ذلك إلى التبجح ورد التهمة بنقيضها. وأغلب النقاد يدركون حزنًا خفيًا يسري في أبيات هذا الجزء من القصيدة، ففيه رموز مختلفة تكشف عن نغمة حزينة وقلق بالغ وحنين لا يكاد ينتهي إلى حنان المرأة، ورغبة كامنة في التطهر مما يشبه أن يكون إحساسًا دفينًا بالذنب لاضطراب علاقته بأبيه، ورغبة ملحة في الهروب من الواقع بالانغماس في الشراب والتفاني في طلب اللذة. ولقد لفت النقاد المحدثون إلى تعدد التجارب العاطفية في المعلقة ولكنهم لم يتنبهوا إلى عقدة الذنب والحنين إلى الأمومة، بل يذهبون إلى القول بتهتكه وفجوره، أو إلى فكرة الانتصار على الحياة والطبيعة والإنسان والحيوان. فالشاعر يتوق إلى التعبير عن أنه كان يحتل موقع الطفولة من حبيبته، وهكذا لا ندهش إذ رأينا هذا الشاعر العظيم يستطيع أن يجمع بين الاشتهاء الجسدي والشعور الروحي العميق بقدسية الأمومة في نسق واحد. إضافة إلى ما كان يعانيه امرؤ القيس في علاقته بأبيه الذي انعكس تعلقًا خاصًا بالأم وبحثًا حائرًا متتاليًا عنها. وإذا وضحت هذه الملامح النفسية والأسلوبية لفن امرئ القيس في الغزل ثبت عندنا حقيقة شعره التاريخية، وصار من المبالغة والتجوز أن نوافق الدكتور طه حسين على وصفه بأنه أشبه لشعر ابن أبي ربيعة والفرزدق [2] .

(1) ـ 293.

(2) ـ الدكتورة عفت الشرقاوي، (دروس ونصوص في قضايا الأدب الجاهلي) / 242 وما بعدها، الطبعة بدون، 1979 م، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان. (عفت الشرقاوي فيما بعد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت