فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 341

ليخلقه خلقًا حيًا، بحيث لو لم يكن هذا التكرار لضعف المعنى وسقطت رتبة الشعر؛ فإن هذا الشاعر يمثل في البيت غضب قومه وحفاظهم وقدرتهم على المجازاة والنقمة والأخذ الشديد لمن عز وهان. فلم يقل: إذا جهل أحد علينا فعلنا وفعلنا، وكان يستطيعه إذا جعل البيت: متى ما يجهلن أحد علينا جهلنا .. الخ، بل نبه أولًا بقوله"ألا"، ثم نهى بعد ذلك أن يجهل أحد عليهم، ليُشعر أن لقومه الأمر والنهي؛ فهذه واحدة. ثم كرر بعد ذلك لفظ الجهل بالفعل والمصدر واسم الفاعل، ومضى به إلى منقطع الشعر جهلًا بعد جهل، ليشعر أن انتقامهم بلاء لا آخر له، يتتابع فيه الجهل الذي لا عقل معه ولا رحمة فيه، وكأنه يقول: إن الصاع بثلاثة، وإن من أساء إلينا بواحدة رددناها عليه ثلاثًا؛ وكل ذلك إنما أفاده التكرار. وهذا هو غضب الطبع البدوي وحفيظته، فلا تنتظر من هذا الطبع الحر سلاسة ولا رقة في موقف الغضب والتحذير وإنذاره أعداءه البطشة الكبرى، بل ترقب الهول الهائل الذي تمثله لك الجيمات والهاءات واللامات إذا ملأ بها شدقيه عربي جهير الصوت فخم الإنشاد ثائر العاطفة غضوب الدم يهدر بالكلام هديرًا [1] . ولم ينس الرافعي أن يسخر في هذه المناسبة من تكرار الدكتور طه حسين. أما تحليل البيت فتحليل ناقد حاذق بصير بجيد الكلام منطلق في ديباجة عالية من اللفظ، استنطق البيت، وحاول الشعور به، وتصَوُّرَ الشاعر ينطق به.

وفي ظني أن سبب اختلاف الرافعي مع الدكتور طه حسين في فهم البيت راجع إلى ما قيل من أن الأخير يأخذ بذوق المستمع قبل أن يحتكم إلى شعور المتكلم جريًا على التقليد العربي في النقد، مع أن المقام مقام افتخار وحرب بيان، وفي هذا المقام يكون التكرار ذا غاية وظيفية، خصوصًا أنه يتعلق بكلمة مثل كلمة الجهل، بكل ما فيها من إيحاءات العدوان والتحدي، فإذا أضفنا إلى ذلك علاقة التكرار اللغوي بالوجود الفعلي في الحس الإنساني العام وضح لدينا مغزى

(1) ـ 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت