انتقل الغمراوي بعد هذا إلى شعر جليلة ووصفه بأنه من الشعر النادر الحي الذي يبتهج به قارئ الأدب كما يبتهج جامع العاديات بتحفة تصل إلى يده، ثم هو ليس بأسهل ولا ألين من بعض شعر الخنساء كداليتها المشهورة:"أعيني جودا ولا تجمدا"وإن كان بينهما فرق فراجع إلى اختلاف المقام واختلاف شخصية الشاعرتين. ولولا أن المؤلف ممتلئ بنظريته لابتهج بهذا الشعر العالي الذي لا نظن في الشعر العربي كثيرًا أصدق منه أو أدل على قائله [1] . ونقد الغمراوي هنا تأثري أيضًا، لكن فيه بعض المقارنة التي تكسبه حظًا من الموضوعية.
والمؤلف في نظر الغمراوي منعدم العلمية في طريقة التوصل للأحكام، فهو يأخذ بالمبادئ في الرفض ولا يأخذ بأضدادها في القبول، وهكذا استطاع في آن واحد أن يرفض المعلقتين على عظم الفرق بينهما في جودة اللفظ وقوة المتن وشدة الأسر زاعمًا أنهما من آثار التنافس بين بكر وتغلب في الإسلام لا في الجاهلية. وكيف استباح الرفض مادام الشعراء أنفسهم يتفاوتون قوة وضعفًا وشدة ولينًا؟ أسئلة كهذه ليست ذات جواب عند صاحب الكتاب [2] .
وافترض الغمراوي إذا كان لا بد للمؤلف من التعميم من أمثلة قليلة أن يقول إن الشعر البكري (شعر الحارث وطرفة) يمتاز بالشدة، وإن الشعر التغلبي (شعر مهلهل وعمرو بن كلثوم) يمتاز باللين، وإن الشعر الربعي فيه الاثنان بالطبع. لكنه فضل أن يسلك شعراء ربيعة كلهم في قرن وأن يحكم عليهم بشيء واحد وهو السهولة التي تبلغ الإسفاف أحيانًا لا يستثني منهم إلا الحارث بن حلزة. فلما جاء دور طرفة فضل أن ينظر إليه من جهة ربعيته لا بكريته، فتبين أن شعره أقرب لشعر المضريين لمتانته، وتساءل كيف شذ شعره عن شعراء ربيعة جميعًا. وليس لهذا التساؤل معنى إلا أنه ينكره لقوته وشدته، وليس لهذا إلا تفسير واحد وهو أن الأمر مختلط على صاحب الكتاب، يجعل اللين
(1) ـ 300.
(2) ـ 303.