ولد الغمراوي عام 1893 م في إحدى مدن محافظة الغربية، ونشأ في أسرة دينية؛ إذ كان الرابع بين خمسة إخوة حفظوا القرآن جميعًا منذ الطفولة، وهُيِّئوا للالتحاق بالأزهر. باستثناء صاحبنا؛ إذ التحق بابتدائية طنطا، ثم بالخديوية الثانوية بالقاهرة، لكنه أخذ على نفسه أن يتزود بالثقافتين معًا، فكان يبدأ بعلوم المدرسة، ثم يأخذ كتب إخوته ليقرأها معهم.
وقد اشتهر محمد أحمد الغمراوي بين الطلاب بغيرته الشديدة على أصول الدين وتعاليم الشريعة، فقد كان أمينًا لا يخون، صادقًا لا يكذب، وافيًا لا يغدر، ولا يسكت عن الخطأ. لم يكتف بمناهج المدارس المجملة في الدين وتاريخ الإسلام. فدعا نفرًا من زملائه إلى قراءة التاريخ الإسلامي، وأحضر ملازم من كتب الأزهر تضم أحاديث نبوية لتكون مع القرآن في مقدمة النصوص المحفوظة.
ولم يكن تعمقه في الثقافة الدينية بمانعه من التفوق في علوم المدرسة، حتى إذا أتم الدراسة التحق بالقسم العلمي بمدرسة المعلمين العليا، وتخرج في العام الذي اشتعلت فيه الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1914 م كون مع نفر من الخريجين ما أسموه"لجنة التأليف والترجمة والنشر"، ليبعثوا نهضة علمية ذات دسامة واتزان.
وقد ذهب إلى إنجلترا بعد عامين (سنة 1916 م) ليتخصص في الكيمياء الطبيعية بجامعة كمبردج [1] ، فتفوق ورجع ظافرًا متقدمًا. واشتغل بعد عودته فترة محدودة بالتدريس في التعليم الثانوي، ثم انتقل إلى معامل وزارة الصحة، إلى أن اختير أستاذًا للكيمياء في كليتي الطب والصيدلة. وهنا كان المثل الحي للأستاذ المسلم الداعية بخلقه الرفيع وسلوكه المثالي.
وإرضاءً لطموحه الإسلامي فكر في إنشاء جمعية"الشبان المسلمين"، فرأت من تجاوب المشاعر والتفاف القلوب الشيء الكثير، قام فيها بدور إيجابي، حيث كان يحاضر في الشباب أسبوعيًا في مسائل العلم والدين، ويعرض
(1) ـ أنور الجندي أ / 141.