ثانيًا: إن هذا الحديثَ تفرد به معاذ بن هشام عن أبيه، ورواه البخاري أيضًا عن سعيد بن أبى عروبة وغيره عن قتادة، فقالوا:"تسع نسوة"وهى الرواية الراجحة؛ فرِوَايَةُ هِشَام تُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ضَمَّ مَارِيَة وَرَيْحَانَة إِلَيْهِنَّ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِنَّ لَفْظَ"نِسَائِهِ"تَغْلِيبًا. أهـ قاله ابنُ حجرٍ في الفتحِ (ج 1 / ص 422) .
وعليه: كان هذا ردًا علي قولِهم: كان يجامع نساءه في ليلةٍ واحدةٍ وبغسلٍ واحدٍ، وهن إحدى عشرة امرأة.
ثالثًا: إن هناك سؤالًا يطرح نفسه هو: هل قصّر رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مع ربه في عبادتِه، وأداء رسالته بسبب طوافه على نسائه جميعًا في ساعةٍ واحدةٍ من الليل أو النهار؟
الجواب: لم يحدث ذلك؛ بل كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقضى نهاره في الجهادِ، والدعوةِ، والحكمِ بين الناسِ، والسعي في توطيدِ أركانِ دولته الجديدة .... ويقضى ليله في قيامِ الليلِ، وقراءةِ القرآنِ، والدعاءِ، فكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه فتسأله عائشة فيقول:"أفلا أكون عبدًا شكورًا". رواه مسلم برقم 5045.
وفي موقفٍ آخرٍ رواه مسلمٌ في صحيحِه برقم 750 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: افْتَقَدْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَتَحَسَّسْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ يَقُولُ:"سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ". فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنِّي لَفِي شَأْنٍ وَإِنَّكَ لَفِي آخَرَ.
الملاحظ من الرواية الأخيرة أنها غارت حين افتقدته، وظنت أنه ذهبَ إلى بعضِ نسائه، ولكن إذا بها تجده قائمًا بين يدي ربه - سبحانه وتعالى - يناجيه ...
رابعًا: إن في هذا الحديثَ (محل الشبهة) أمور تدل على عظمةِ أخلاقِ النبيِّ من جهةٍ تغيب عن المعترضين منها:
1 -أن الحديثَ بيانٌ عمليُّ لقولِه - سبحانه وتعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء 19) .