فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 431

(فصل)

إن قيل:- إننا نعلم أن الله تعالى قدر كل شيء، وأنه لا يكون في كونه إلا ما يريد، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا، ومما يقع في الكون مجموع الذنوب والمعاصي، فبما أنه لا يكون في كونه إلا ما يريد، فهل يصح لنا أن نقول:- إن الله تعالى يريد المعصية؟ والجواب:- إن هذا الأمر مجمل، والمتقرر عند أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى أن الألفاظ المجملة لا تقبل مطلقا، ولا ترد مطلقا، بل هي موقوفة على التفصيل، حتى يتميز حقها فيقبل، من بباطلها فيرد، فقولهم (الله يريد المعصية) أو قولهم (الله لا يريد المعصية) هذا فيه إجمال، وبيان هذا أن نقول:- إن أهل السنة رحمهم الله تعالى قد قسموا إرادة الله تعالى إلى قسمين إرادة كونية قدرية، وهي المرادفة - للمشيئة - وإرادة دينية شرعية، وهي المرادفة - للمحبة - وفرقوا بينهما بعدة فروق فقالوا:- الإرادة الكونية لا بد وأن تقع، وأما الإرادة الشرعية فإنها قد تقع، وقد لا تقع، وقالوا:- الإرادة الكونية لا تستلزم محبة الله تعالى، أي ليس كل شيء يريده الله تعالى كونا لا بد وأن يحبه، بل هو يريده بإرادته الكونية، والإرادة الكونية لا تستلزم محبة الله تعالى، وأما الإرادة الشرعية فإنها تستلزم محبة الله تعالى، فلا يريد الله تعالى شيئا بإرادته الشرعية إلا وهو يحبه ويرضاه جل وعلا، وقالوا:- إن الإرادة الكونية ليست مرادة لذاتها، وإنما هي مما يراد لغيره، وأما الإرادة الشرعية فإنها مرادة لذتها، وأهل السنة رحمهم الله تعالى لما قرروا هذا التقرير لم يقرروه هكذا من عند أنفسهم - حاشا وكلا - بل قرروه بناء على الأدلة الكثيرة الواردة في هذا الشأن، ثم أعود فأقول:- إن قيل (هل الرب جل وعلا يريد المعصية) فقل:- إن كان المقصود بالإرادة هنا أي الإرادة الكونية فالجواب (نعم) لأنه لا يكون في كونه إلا ما يريده كونا وقدرا وإن كان المراد بالإرادة هنا أي الإرادة الشرعية الدينية، فالجواب (لا) لأن الله تعال لا يريد شرعا الكفر ولا الذنوب ولا الآثام، قال تعالى {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} فمن أراد الخروج من هذا المأزق فلا بد له من التفريق بين الإرادتين، وأما من زاغ عنه وخالف منهج أهل السنة فيه فما له إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت