قال القرطبي رحمه الله تعالى (إن قيل كيف يخاطب الملكان جميع الموتى في الأماكن المتباعدة في الوقت الواحد فالجواب إن عظم جثتهما يقتضي ذلك فيخاطبان الخلق الكثير في الجمعة الواحدة في المرة الواحدة مخاطبة واحدة بحيث يخيل لكل واحد من المخاطبين أنه المخاطب دون من سواه ويمنعه الله تعالى من سماع جواب بقية الموتى، قلت ويحتمل تعدد الملائكة المعدة لذلك كما في الحفظة ونحوهم ثم رأيت الحليمي من أصحابنا ذهب إليه فقال في منهاجه والذي يشبه أن تكون ملائكة السؤال جماعة كثيرة يسمى بعضهم منكرا وبعضهم نكيرا فيبعث إلى كل ميت اثنان منهم كما كان الموكل عليه لكتابة أعماله ملكين) انتهى قلت:- والأقرب أن هذا مما لا مدخل للعقل فيه، وهو من أمور الغيب التي يجب التوقف فيها، مع الإيمان الكامل أن كل مقبور فإنه يسأل، والله أعلم.
(فصل)
لقد وردت الأحاديث في قدر توسعة قبر المؤمن بعد الإجابة عن سؤال القبر، واختلفت في تقديرها فهل بين الأدلة في هذه المسألة تعارض؟ والجواب:- ما قاله بعض أهل العلم في هذا، فإنه قال (ولا تعارض فإن ذلك يتفاوت بحسب حال الميت في الصلاح علوا وانخفاضا) والله أعلم.
(فصل)
أقول:- لقد اختلفت أقوال أهل العلم رحمهم الله تعالى ي مسألة مستقر الروح بعد مفارقتها للجسد، اختلافا كثيرا على أقوال كثيرة، وبنوا أقوالهم هذه على أدلة في المسألة ظاهرها التعارض ولكن في الحقيقة ليس بين الأدلة تعارض ولله الحمد والمنة، وأحسن من تكلم عن الجمع بين الأدلة الواردة في هذه المسألة هو العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه قال (ولا يحكم على قول من هذه الأقوال بعينه بالصحة ولا غيره بالبطلان بل الصحيح أن الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت ولا تعارض بين الأدلة فإن كلا منها وارد على فريق من الناس بحسب درجاتهم في السعادة أو الشقاوة فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى وهم الأنبياء وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء