الجمع فقال بعضهم:- إن الحديث سيق مساق التحذير من أصل السرقة وتصوير الأمر بصورة بشعة مستهجنة، فكون اليد التي هي ذات المنافع التي لا تعد ولا تحصى يضحي بها هذا السارق في سرقة بيضة أو حبل، وهما أمران تافهان باعتبار القيمة لا يساويان شيئا، ولا يراد بالحديث بيان المقدار الذي تقطع فيه اليد، وإنما يراد به التخويف والتحذير وتقبيح صورة السرقة، وقال بعضهم:- بل الحديث على ظاهره، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد بالبيضة أي بيضة، بل كان يريد بها بيضة الحديد، أو كان يريد بها بيضة النعام، ونحوها مما هو كبير يساوي قيمة الثلاثة دراهم، ويراد بالحبل الحبل الكبير كحبل السفينة وغيره، والأقرب عندي هو الجواب الأول، لأنه أليق بالحديث وأدخل في تحقيق مقصود الشارع من ذم السرقة ليتحقق مقصوده في حفظ المال، وكم يعجبني قول الخطابي في بيان وجه المراد بحديث"يسرق البيضة والحب فتقطع يده"قال رحمه الله تعالى (وإنما وجه الحديث وتأويله ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء مغبتها فيما قل وكثر من المال كأنه يقول إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الخلق الذي لا قيمة له إذا تعاطاه فاستمرت به العادة لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده كأنه يقول فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل أن تملكه العادة ويمرن عليها ليسلم من سوء مغبته ووخيم عاقبته) ولا أقل من أن يقال:- إن أحاديث التقدير بربع الدينار أحاديث محكمة وهذا الحديث فيه كبير اختلاف، وفيه نوع تشابه، ومن قواعد الرسوخ في العلم أن المتشابه يرد إلى المحكم، ويقال:- إن حديث البيضة والحبل فيه نوع إجمال، فإن أقيام البيض يختلف وقيمة الحبل تختلف، والحدود لا تناط بالمقادير المختلفة التي يكثر فيها الخلاف، لأن الإجمال فيه يورث الشبهة التي لا بد وأن يكون الحد خاليا منها، فإن المتقرر عند أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الحدود تدرأ بالشبهات، فعلى هذا فيكون حديث البيضة والحبل حديث مجمل وحديث التقدير بربع الدينار مبين، والمتقرر في القواعد أن المجمل محمول على المبين، والمهم أن أحسن الأجوبة عندي هو ما قاله الخطابي رحمه الله تعالى، ولا نقول بما عداه إلا