وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب على جِذْع نخلة قائمًا ثم يقعد ثم يقوم، فلما كثر الناس وشقّ عليه الوقوف على الجذع اتخَذ منبرًا بثلاث درجات، وظل الوضع هكذا حتى زاده مروان في خلافة معاوية ستَّ درجات من أسفله.
وفي صحيح البخاريّ بسنده عن أبي حازم بن دينار أن رجالًا أتَوا سهل بن سعد الساعديّ وقد امتَرَوا في المنبر: مِمَّ عُودُه؟ فسألوه عن ذلك فقال: والله إني لأعرف مِمَّ هو، ولقد رأيته أولَ يوم وُضع وأولَ يوم جلَس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. أرسل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى فلانة امرأة قد سمَّاها:"مُرِي غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنَّ إذا كلَّمتُ الناس"فأمَرَته فعملها من طَرفَاء الغابة، ثم جاء بها فأرسلَت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمَرَ بها فوُضعَت ههنا.
هذا، وقد حدثت معجزة باهرة عندما انتقل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الجذع إلى المنبر، فقد سُمع للجذع بكاءٌ وصياح حزنًا على مفارقة الرسول له، وظل الجذع يبكي حتى استلمه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووضَع يدَه عليه فسَكَن. وأخرج البخاريّ في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب إلى جذع، فلما اتَّخَذ المنبر تَحوَّل إليه، فحَنَّ الجذع، فأتاه فمسح عليه. وفي رواية: فصاحت النخلة صياح الصبيّ. وفي رواية: فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العِشَار (العِشَار: الحوامل من الإبل التي قاربت الولادة أو أتى على حملها عشرة أشهر. ويقال ناقة عُشَراء ونُوقٌ عِشَارٌ) .
ويقال: كان الحسن إذا حدَّث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين، الخشبة تَحِنُّ إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شوقًا إلى لقائه! فأنتم أحقُّ أن تشتاقوا إليه.
الإنصات