... إن هذه الصورة التي تقدم بها الفنون في عصرنا وفي مجتمعنا لا يمكن أن تتطابق مع الصورة التي يضرب بها المثل عن عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عهد الصحابة المكرمين ، وهي ليست تطورًا طبيعيًا لفنون الإسلام التي كانت في مراحل تطورها حريصة على ألا تخرج عن جوهر الإسلام ولا تصادم حدوده وضوابطه ، ويرجع ذلك إلى أن النفوذ الأجنبي فرض أسلوبه وطابعه ونظامه كله وخاصة في مجال الفنون وما يتعلق بالعواطف والوجدانات من منطلق غربي عصري واضح هو منطلق الكشف عن الشهوات والإباحة والحرية المطلقة في الانطلاق نحو الأهواء وإعطاء الغرائز حريتها في الحركة دون أية حدود ، وقد نتج هذا من منطلق الفلسفة المادية والجنسية التي ألغت مفهوم الضوابط الأخلاقية والحدود المتصلة بالقيم وأطلقت الوحش في الإنسان ، حين ادعت نسبية الأخلاق وربطتها باختلاف المجتمعات والعصور ، ، في حين أن الأخلاق قيم ثوابت متصلة بالعقيدة والدين لا تخضع لقانون المتغيرات ، ومن منطلق مفهوم فرويد للجنس ودارون للحيوان ودور كايم للاجتماع تشكل هذا الفن الغربي الذي غزا بلادنا غزوًا شديدًا وسيطر على فنوننا الأصيلة السمحة ، فكان منه ذلك ( التخت ) الضخم الذي يتشكل من مائة عازف بعشرات الآلات الموسيقية وتلك الأغاني الراقصة المتمايلة ، وما تثير من الشهوات فكيف يمكن أن يكون هذا أمرًا يدافع عنه أو يصور على أنه مما سمح به الإسلام من فنون .
... إننا نعرف من قراءتنا في تاريخ الفنون في الغرب وتاريخ الموسيقى بالذات أنه فن كنسي بدأ أول أمره مع نواميس كنائس الغرب ، وكان من معطيات إغراء الناس على العبادة وما كان شتراوس أو فاجنر أو بتهوفن إلا كنائسي الموسيقى أساسًا ثم تحولوا قليلًا مع الاحتفاظ بذلك الطابع الصاخب الذي يهز النفوس .