... ولقد جاءت النظم الغربية إلى بلاد الإسلام على سبيل القسر والتحكم ولم يكن عن رغبة أو طواعية فقد فرض النفوذ الأجنبي بالاحتلال السياسي والعسكري هذا النظام بعد أن عطل منهج الشريعة الإسلامية الذي عاشت الأمة الإسلامية في إطاره عمرها كله ، ولم يكن النظام الوافد البديل لمنهج الإسلام ( الذي ظل مطبقًا حتى جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر بشهادة الجبرتي ومؤرخو الحملة أنفسهم ) ، ولم يكن إلا عاملًا من عوامل تهديم المجتمع الإسلامي وضربه في الصميم فقد فرض عليه القانون الوضعي ونظام الربا وأباح فيه أسلوبًا من التعامل قريبًا من الإباحية وحمى التفسخ مما أتاح لكل عوامل الفساد أن تنمو في أحضان القانون الوضعي وحمايته ، هذا فضلًا عن النظام السياسي الذي لم يكن إلا مظهرًا كاذبًا يحمل طابع الديمقراطية وحكم الشعب بينما يضمر في أعماقه تسلط الفرد .
... وهكذا وفي خلال أكثر من سبعين عامًا لم يستطع النظام الغربي أن يحقق للمجتمع الإسلامي ما كان يطمح 'إليه من تقدم أو سلامة وقد شهد بذلك كثير من كتاب الغرب أنفسهم ، وقد جاء ذلك لأول مرة بعد أربعة عشر قرنًا من التجربة الإسلامية القائمة على تطبيق حكم الله تبارك وتعالى وإقامة المجتمع الرباني ، وقد بدا واضحًا أن المسلمين إنما يريدون مجتمعًا أصيلًا يستمد وجوده من مفاهيم الإسلام وقيمه ولا يرضون عن هذا المجتمع الذي يحجب كل قيم الإسلام الحقيقية .
... غير أن المجتمع الإسلامي في الوطن العربي لم يلبث أن دخل في تجربة أخرى: هي التجربة القومية التي رافقت جلاء القوات الأجنبية وقيام أنظمة سياسية جديدة لمواجهة الاحتلال الصهيوني لفلسطين حيث تعالت الصيحات بالدعوة إلى القومية العربية ، ولقد كانت الأمة الإسلامية تنادي إلى الوحدة العربية بعد سقوط الخلافة الجامعة كمرحلة أساسية للعودة إلى الوحدة الإسلامية .