ثالثًا: خلق وجود معاصر منفصل تمامًا عن الإسلام وعن العالم الإسلامي متصل بالغرب مندغم في تفسيراته وقيمه وطوابعه ، وقد غاب عن الذين طرحوا النظرية الغربية في القومية أن هناك عاملًا ضخمًا لا سبيل إلى تجاهله أو إغفاله في أية نظرة علمية ذلك هو الطابع الفكري العميق الذي صاغه الإسلام للتشكل العربي في أول مراحل وجود العرب كأمة بعد أن كانوا مجموعة من القبائل المتصارعة ، وأن هذا الطابع قد أقام حدًا فاصلًا عميقًا ( فكريًا وسياسيًا واجتماعيًا ) بين ماضي العرب والمصريين والشاميين والمغاربة والهنود وكل من عاش في هذا العالم الممتد ، الذي سيطر عليه الإسلام وشكله الفكر الإسلامي وخاصة تلك المنطقة التي تعربت وأصبحت تسمى مجال العروبة وأنه لا سبيل إلى إعادة هذه الأمم إلى ماضيها القديم بعد أن نقلها الإسلام تلك النقلة الواسعة إلى ذلك الطابع المتكامل من التوحيد والعدل والحق والمقومات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية الواضحة في ذلك النظام المحكم الذي نزل به القرآن الكريم ورفع لواءه الإسلام .
... ... ولقد حاولت الدعوة القومية ما حاولته من قبل الدعوة الغربية بتفسير التاريخ على هواها ، هناك مقولة ديمقراطية الإسلام وهنا مقولة القومية العربية بدعوى أنها أقدم من الإسلام ، وانتهى ذلك الهشيم المحترق المتطاير إلى لا شئ ، وذلك لأن الذين قاموا على تلك الدعوات لم يكتشفوا جوهر الإسلام وقدرته على عدم تقبل العنصر الغريب فضلًا عن قدرته في العودة إلى المنابع.