وقال ابن جرير"وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمره بمشاورتهم فيه، مع إغنائه بتقويمه إياه، وتدبيره أسبابه عن آرائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده، فيما حزبهم من أمر دينهم، ويستنوا بسنته في ذلك، ويحتذوا المثال الذي رأوه يفعله في حياته من مشاورته في أموره - مع المنزلة التي هو بها من الله - أصحابه وأتباعه في الأمر، ينزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحقّ في ذلك، لم يخلهم الله عزّ وجلّ من لطفه، وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه" [1] .
وقال تعالى: {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} , فقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين ومدحهم بالأعمال والأقوال والأخلاق التي نالوا بها الأجر الجزيل والنعيم المقيم عند الله, فوصفهم بالإيمان والتوكل على الله في سائر أمورهم فلا يعتمدون على غيره ولا يبتغون النصر والعزة والرزق من سواه, ووصفهم باجتناب كبائر الإثم والفواحش ومدحهم بحسن الخلق والحلم عند الغضب والصفح عن المسيئ, ووصفهم بالاستجابة لأمر الله والانقياد لحكمه, والتسليم لشرعه, ووصفهم بإقامة الصلاة من فرائض ونوافل، ومدحهم بأن أمورهم الدينية والدنيوية التي للشورى فيها مجال يتشاورون فيها وينفذونها عن مشورة بينهم, ولا يستبد أحد منهم بالأمر من غير مشاورة، قال الزجاج رحمه الله"المعنى أنهم لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه".
ووصفهم بالإنفاق مما رزقهم الله ويدخل في هذا الزكاة والنفقات الواجبة في سبيل الله وعلى الأقارب وغيرهم والنفقات المستحبة, ووصفهم بالقوة والانتصار ممن ظلمهم فلا يقبلون أن يظلموا ويستذلوا, فإذا بغي عليهم انتصروا بحق ممن بغى عليهم وقوموه وعاقبوه بما يستحق من العقوبة، قال ابن كثير رحمه الله"أي فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا" [2] ، وعن إبراهيم النخعي في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} قال"كانوا يكرهون للمؤمنين أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا"أخرجه سعيد بن منصور.
وأخرج ابن جرير وغيره عن منصور قال سألت إبراهيم عن قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} قال"كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجتراء الفساق عليهم".
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} قال"ينتصرون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا".
(1) جامع البيان.
(2) تفسير القرآن العظيم.