فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 309

باب: الحضارة

إن الحضارة الحقة هي الحضارة التي تنشأ لتحقيق الغاية التي خلق لأجلها الإنس والجن، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} , وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} , وقال تعالى عمن ظن أن الله تعالى خلق الخلق عبثا وباطلا، ولم يخلقهم لعبادته: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ. أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} .

و العبادة في الإسلام لا تعني الرهبانية، والانقطاع عن إعمار الأرض، والاستفادة من خيراتها, واكتشاف منافعها وكنوزها, فإن الانقطاع عن المصالح والمنافع الدنيوية لا يتوافق مع الإسلام، الذي جاء لتكون كلمة الله هي العليا, وتقام دولة الإسلام، ويحكم الإسلام في جميع شؤون الحياة، ويجاهد في سبيل الله، وتعد العدة اللازمة, ويقام العدل بين الناس، ويتولى ولاة الأمور سياسة الرعية, ورعاية شؤونهم, وتأدية حقوقهم, والإحسان إليهم, وقد قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} ، وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} , وقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} .

فإن إعداد القوة، وصناعة أنواع الأسلحة، و استخدام وسائل الإعلام الحديثة، وتصنيعها لإبلاغ الدعوة وإرشاد الناس, والتصدي لإعلام الأعداء المفسد، وتوفير جميع ما تحتاجه البلاد في المجال التقني والصناعي وغيرها مما يساهم في بناء الدولة الإسلامية، وتقويتها، وقيادتها للبشرية، كل هذا من الواجبات الشرعية, التي لا يسع المسلمين تركها، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

كما أن العلوم الدنيوية النافعة: كالطب, والصناعة, والزراعة وغيرها, هي من فروض الكفاية التي يجب على الدولة الإسلامية أن تقوم بها, وتؤهل من الرعية من يقوم بهذا الفرض.

و أما الكفار فقد أعرضوا عن الغاية التي خلقهم الله لأجلها، وهي عبادته وحده لا شريك له، وانصرفت أذهانهم وهممهم إلى التمتع بالدنيا، وتحصيل شهواتها، واستفرغوا في هذا قدراتهم وطاقاتهم، وبنوا على هذا حياتهم ودولهم وسياساتهم، واقتصرت على هذا علومهم, وقد قال تعالى: {وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا منَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} , أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:"يعني معايشهم متى يغرسون ومتى يزرعون ومتى يحصدون؟"، وأخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال:"يعرفون عمران الدنيا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت