وهم في أمر الآخرة جهال"، وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة في قوله {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال:"يعلمون تجارتها وحرفتها وبيعها"، وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن في الآية قال:"ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه, وما يحسن يصلي"، وقال ابن كثير رحمه الله"أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة" [1] ."
وقال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ منَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} ، قال الزجاج:"إنما يعلمون ما يحتاجون إليه في معايشهم وقد نبذوا أمر الآخرة", وقال الإمام ابن كثير رحمه الله:"أي أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره. وقوله: {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ} أي طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه ... وفي الدعاء المأثور: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا" [2] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله يبغض كل جعظري جواظ، سخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بالدنيا، جاهل بالآخرة"رواه البيهقي، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى يبغض كل عالم بالدنيا جاهل بالآخرة"رواه الحاكم في تاريخه، فالأساس الذي تقوم عليه حياة الكفار، وما تهدف إليه سياساتهم وقوانينهم، هو توفير الأكل، وحصول التمتع بأنواعه: كالتمتع بالمال واللباس والمركب والمسكن والتمتع بارتكاب الفواحش كفاحشة الزنا وغيرها، والتمتع بسائر المحرمات كمشاهدة الأفلام المحرمة واستماع المعازف وغيرها، والتمتع باللهو واللعب, وتمتع حكامهم الظلمة بالعلو في الأرض، والتسلط على الآخرين ونهب خيراتهم، والانشغال بصناعة وإنتاج أدوات المتعة والترف، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} , فيتمتعون المتاع القليل المليء بالمنغصات، والمحشو بالرزايا والعقوبات، ثم مصيرهم إلى جهنم وبئس المصير, كما قال تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} وقال تعالى: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ} وقال تعالى: {قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} وقال تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا ليُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} وقال تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم من شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ. أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} ، وقال تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُو ا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} ، وقال تعالى: {لِيَكْفُرُوا بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ، وقال تعالى: ذَرْهُمْ
(1) تفسير القرآن العظيم
(2) تفسير القرآن العظيم