فالمسلم يتخذ الأسباب طاعة لله تعالى ويتوكل على الله، وقد قال تعالى: {وَللَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فجمع الله تعالى في الآية بين العبادة ومنها اتخاذ الأسباب والتوكل وقال تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} ، وقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ، وقال صلى الله عليه وسلم:"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز"رواه مسلم، وعن عمرو بن أمية قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أرسل ناقتي وأتوكل؟ قال:"اعقلها وتوكل"رواه ابن حبان، وعند الطبراني والحاكم في المستدرك بلفظ:"بل قيدها وتوكل"، وأما تعطيل أسباب بناء الدولة ووسائل القوة فهو من الجهل والضلال عن هدي القرآن وسنة خير المرسلين عليه الصلاة والسلام.
و الآية تعم كل سبب مشروع يوصل إلى المقاصد الشرعية العظيمة، فإن الأمة مأمورة بتحصيله والتوصل به إلى إقامة دولة الإسلام في الأرض وتقويتها، وحمل رسالة الإسلام وإبلاغها للعالم، والجهاد في سبيل الله وغيرها من المقاصد الشرعية.
السياسة العادلة هي جزء من شرع الله تعالى، وأما السياسة الظالمة فليست من شرع الله تعالى، بل شرع الله تعالى جاء بإنكارها وإزالتها كغيرها من المنكرات والمحرّمات.
وقد قال صلى الله عليه وسلّم:"كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك النبي خلفه النبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال:"فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقّهم، فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم"متفق عليه، فولاة الأمر في الأمة يخلفون رسول الله صلى الله عليه وسلم في سياسة الأمة السياسة العادلة، وعن عبد خير قال: قام علي رضي الله عنه على المنبر فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر، فعمل بعمله، وسار بسيرته حتى قبضه الله على ذلك، ثم استخلف عمر فعمل بعملهما وسار بسيرتهما، حتى قبضه الله على ذلك"رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وولاة الأمور فينا هم خلفاء الرسول قال النبي صلى الله عليه وسلّم في الصحيح:"إن بني إسرائيل كان تسوسهم الأنبياء كلما هلك النبي قام النبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء ويكثرون"قالوا: فما تأمرونا يا رسول الله قال:"أوفوا بيعة الأول فالأول، وأدوا لهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم"، وقال أيضا:"العلماء ورثة الأنبياء"، وروي عنه أنه قال:"وددت أني قد رأيت خلفائي"قالوا: ومن خلفاءك قال:"الذين يحيون سنتي يعلّمونها الناس"فهؤلاء ولاة الأمور بعده، وهم الأمراء والعلماء [1] ."
(1) مجموع الفتاوى