ولا يعني قيامنا بهذه السياسات الاحترازية وترسيخها في نظام الدولة الإسلامية أننا قد سلبنا الحاكم حقا من حقوقه، بل إن هذه السياسات الاحترازية ومقاصدها قد جاءت بها الشريعة الإسلامية، وجعلتها أساسا في الحكم, فقد جاءت الشريعة بالولاء لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمين, وجاءت بوجوب إقامة شرع الله على الحاكم والرعية, وجاءت بالشورى ومنع الاستبداد، وجاءت بمساواة الناس أمام القضاء، وأن القاضي يجب أن يحكم بما أنزل الله وألا يحابي أحدا من الناس, وجاءت بمحاسبة الإمام والولاة والإنكار عليهم ومنعهم من الظلم والجور، وجاءت بعزل الحاكم إذا طرأ عليه الكفر البواح والخروج عليه مع القدرة, وجاءت الشريعة بوجوب تعيين الأمراء والقادة والقضاة وأهل الشورى وغيرهم من المسؤولين أو الموظفين في الحكومة بالأهلية فيقدم في كل عمل الأفضل والأقدر على تأديته, وجاءت بحرمة التعيين لهوى أو لعصبية أو لقرابة أو لحزبية, وجعلت هذا التعيين خيانة للأمانة, وقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} , ومن الأمانات الوظائف والأعمال التي يجب أن تسند إلى أهلها.
لقد بين الله تعالى في كتابه سبيل المجرمين, للتحذير من سبيلهم الجائرة, وتجنب الوقوع في شرها وأمر بأخذ الحذر من مكائدهم ومكرهم فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} , وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} ، وعن حذيفة رضي الله عنه قال"كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر؟ قال:"نعم"فقلت. هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال:"نعم وفيه دخن"قلت: وما دخنه قال:"قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر"فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال:"نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها"فقلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال:"نعم قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا"قلت: يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال:"تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال:"فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"رواه البخاري ومسلم واللفظ له."
وقد بين الله تعالى كفر الكافرين وشركهم, وكيدهم للإسلام والمسلمين, وبين أساليبهم في محاربة الإسلام وما تكنه صدوره من الحقد والبغضاء للإسلام وأهله كما قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} .
وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} .
وقال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} .