وعد الله تعالى عباده المؤمنين إن حقّقوا الإيمان والعمل الصالح أن ينصرهم على أعدائهم، وأن يمكّن لهم في الأرض فقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذالِكَ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ،فالصحابة رضي الله عنهم حقّقوا الإيمان التام والعمل الصالح التام، فحصل لهم التمكين التام في الأرض، وعندما نقص إيمان مَن بعدهم، ونقصت أعمالهم الصالحة نقص تمكينهم بحسب ما نقص من إيمانهم وأعمالهم الصالحة.
و الله تعالى عليم بنوايا العباد، وما تنطوي عليه قلوبهم، وهو عالم بما هم فاعلون لو مكّن لهم في الأرض، فإذا علم الله تعالى من عباده الصدق في نصرة دينه، وإقامة شريعته، في حاضرهم ومستقبلهم نصرهم على أعدائهم، ومكّن لهم في الأرض, كما قال الله تبارك وتعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} .
والله تعالى يبتلي العباد بالسرّاء والضرّاء، كما قال تبارك وتعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي بالنعم والمصائب، وقال تبارك وتعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعون} ، والمؤمن يتقي الله تعالى في جميع أحواله فيشكر عند السرّاء، ويصبر عند المصيبة، كما قال صلى الله عليه وسلّم:"عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا له"رواه مسلم
وقال تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِّكَيْلاَ تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} ، قال العلامة السعدي رحمه الله:"ويقول تعالى مخبرًا عن عموم قضائه وقدره: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ} ، وهاذا شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتب في اللوح المحفوظ صغيرها وكبيرها، وهاذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنه أفئدة أولي الألباب، ولاكنه على الله يسير، وأخبر الله عباده بذالك لأجل أن تتقرر هاذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر, فلا يأسوا ويحزنوا على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم، وتشوفوا إليه لعلمهم أن ذالك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله، فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومَنِّه، فيشتغلوا بشكر مَن أولى النعم، ودفع النقم، ولهاذا قال: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي: متكبر فظ،"