على ولاة الأمر أن يتخلقوا بالرفق والرحمة لعامة الرعية، فإن الرفق في دعوة الناس وتعليمهم وفي سياستهم، وتجنب العسف والعنف في معاملتهم ودعوتهم من الواجبات، التي جاءت النصوص الشرعية بالأمر بها والترغيب فيها، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ، وقد أخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة في قوله {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ} يقول فبرحمة من الله {لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} أي والله طهره من الفظاظة والغلظة وجعله قريبا رحيما رؤوفا بالمؤمنين"."
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية فقال:"هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم نعته الله".
وقال الجصاص رحمه الله:"قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} يدل على وجوب استعمال اللين والرفق وترك الفظاظة والغلظة في الدعاء إلى الله تعالى".
وقال العلامة السعدي رحمه الله:"أي برحمة الله لك ولأصحابك منّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك، وأحبوك، وامتثلوا أمرك {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا} أي سياء الخلق {غَلِيظَ الْقَلْبِ} أي قاسيه {لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السياء. فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدنيا تجذب الناس إلى دين الله وترغبهم فيه مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص, والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره أليس من أوجب الواجبات وأهم المهمات الاقتداء بأخلاقه الكريمة ومعاملة الناس بما كان يعاملهم به صلى الله عليه وسلم من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالا لأمر الله، وجذبا لعباد الله لدين الله" [1] .
و عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن:" {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} . وحزرا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا"رواه البخاري.
وقال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} , وقال تعالى {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} ، وقال تعالى: اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا
(1) تيسير الكريم الرحمن.