فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 309

الخامس: الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن الآخرين:

لقد جاءت الشريعة الإسلامية بما فيه عزة المسلم وكرامته, واستغناؤه عن الناس, ورهبت من الطمع والحرص على الدنيا وسؤال الناس ما في أيديهم, وقد قال صلى الله عليه وسلم"إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدا، وأجمع الإياس مما في أيدي الناس"رواه أحمد وغيره، أي صمم واجمع العزم على اليأس وقطع الأمل مما في أيدي الناس, وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:"تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن اعطى رضى، وإن منع سخط"فسماه النبى عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة وذكر ما فيه دعاء وخبر وهو قوله:"تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"والنقش إخراج الشوكة من الرجل والمنقاش ما يخرج به الشوكة وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه, وهذه حال من عبد المال وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي رضي وإذا منع سخط كما قال تعالى {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله, وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط, فهذا عبد ما يهواه من ذلك وهو رقيق له إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته فما استرق القلب واستعبده فهو عبده ولهذا يقال:"

العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع

وقال القائل:

أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حرا

ويقال: الطمع غل في العنق قيد في الرجل فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الطمع فقر واليأس غنى وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عنه وهذا أمر يجده الانسان من نفسه فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه ولا يطمع به ولا يبقى قلبه فقيرا إليه ولا إلى من يفعله, وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه تعلق قلبه به فصار فقيرا إلى حصوله وإلى من يظن أنه سبب في حصوله وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك قال الخليل: {فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} , فالعبد لا بد له من الرزق وهو محتاج إلى ذلك، اذا طلب رزقه من الله صار عبدا لله فقيرا إليه وإن طلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا إليه ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل وإنما أبيحت للضرورة" [1] ."

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم"رواه البخاري ومسلم.

(1) مجموع الفتاوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت