يطيعوه، وإن كان مشتبها عليهم اشتوروا فيه حتى يتبين لهم، وإن تبين لأحد من الرعية دون الإمام بينه له، وإن اختلف الاجتهاد فالإمام هو المتبع في اجتهاده، إذ لا بد من الترجيح والعكس ممتنع" [1] ."
كما أن الرجوع إلى شرع الله تعالى عند النزاع ولو كان من خالف الإمام رجلا واحدا هو الطريق المتيقن للوصول إلى الحق, وأما الأغلبية فقد تجتمع على خلاف الحق في قضية معينة لا سيما في البلاد التي يقل فيها العلم الشرعي ولا يتوفر فيها الكثير من العلماء.
والحاكم إذا كان ظالما مستبدا فلن يشاور أحدا، وإذا شاور فلن يرجع لشرع الله تعالى عند الاختلاف، ومن باب أولى أن لا يلتزم بقول الأغلبية, وأما إذا كان الحاكم عادلا يشاور أهل العلم والصلاح فلا وجه لإلزامه بالأغلبية، وهو يقبل الحق ويرجع إلى شرع الله في كل صغير وكبير، سواء خالفه رجل واحد من أهل الشورى أو أغلبيتهم.
و أما إذا لم يبت الأمير في موضوع الاجتهاد برأيه مما للرأي والنظر في تقدير المصلحة فيه مجال ورأى الترجيح بالأغلبية فله ذلك, قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عند شرح حديث رجوع عمر رضي الله عنه عن دخول الشام بسبب الطاعون"وفيه الترجيح بالأكثر عددا والأكثر تجربة لرجوع عمر لقول مشيخة قريش مع ما انضم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين والأنصار فإن مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه من كل من المهاجرين والأنصار ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد الفضل في العلم والدين ما عند المشيخة من السن والتجارب فلما تعادلوا من هذه الحيثية رجح بالكثرة ووافق اجتهاده النص، فلذلك حمد الله تعالى على توفيقه لذلك" [2] .
تشرع الشورى في القضاء وفي الفتوى في جميع شؤون الحياة للتوصل إلى الحكم الشرعي إذا لم يتبين للإمام الحكم من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي المستوفي للشروط, وكذلك يتشاور الإمام مع أهل الشورى في أمور الحرب والسلم والهدنة، وفي الأموال العامة وصرفها، وفي تولية الأمراء والقضاة وغيرهم، وفي النوازل الطارئة، وفي تنظيم الدولة وإدارتها، وتشرع الشورى في مراقبة أعمال الإمام والولاة والقضاة وغيرهم ومحاسبتهم, وكذلك في تعيين الإمام العام، قال العلامة السعدي رحمه الله في قوله تعالى {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} "وأمرهم الديني والدنيوي {شُورَى بَيْنَهُمْ} أي لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم، وهذا لا يكون إلا فرعا عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم وتحاببهم، فمن كمال عقولهم أنهم إذا أرادوا أمرا من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة انتهزوها وبادروها، وذلك كالرأي"
(1) منهاج السنة النبوية.
(2) فتح الباري.