فَإِنَّ ذالِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ , وغيرها من صنوف الأذى والكيد والمكر والعدوان الذي لا يفتر ولا يكل ليلا ولا نهارا، كما قال تعالى: {بَلْ مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَامُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا} .
وقال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} .
وقال تعالى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} .
وقال تعالى: {وَكَذالِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} , وقال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذبُونَكَ وَلَاكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. وَلَقَدْ كُذبَتْ رُسُلٌ من قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} , وقال تعالى: {فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} .
والمسلمون من الولاة وغيرهم يجب عليهم أمام مؤامرات الأعداء أن يثبتوا على الحق, وأن يصبروا ويصابروا ويرابطوا في جهاد الأعداء, وأن يتصدوا لكيدهم ومكرهم, وأن يتيقنوا بوعد الله ونصره لعباده، وأن يتوكلوا على الله حق التوكل في أمورهم كلها، وقد قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} ،فالإمامة في الدين إنما تنال بالصبر واليقين، وقال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} ،و قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"وقال الله تعالى لنبيه {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} فأمر سبحانه بالتوكل عليه وعقب هذا الأمر بما هو موجب للتوكل مصحح له مستدع لثبوته وتحققه وهو قوله تعالى {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} فإن كون العبد على الحق يقتضي تحقيق مقام التوكل على الله, والاكتفاء به, والإيواء إلى ركنه الشديد, فإن الله هو الحق وهو ولي الحق, وناصره, ومؤيده, وكافي من قام به, فما لصاحب الحق ألا يتوكل عليه, وكيف يخاف وهو على الحق كما قالت الرسل لقومهم {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} فعجبوا من تركهم التوكل على الله وقد هداهم, وأخبروا أن ذلك لا يكون أبدا, وهذا دليل على أن الهداية والتوكل متلازمان, فصاحب الحق لعلمه بالحق ولثقته بأن الله ولي الحق وناصره مضطر إلى توكله على الله لا يجد بدا من توكله" [1] .
يجب على المجاهدين ألا يركنوا إلى الدنيا بعد تحقق النصر، بل عليهم أن يواصلوا سعيهم وجهادهم لتحقيق المقصود من الجهاد وهو إقامة شريعة الله تعالى في البلاد، وأن يعدوا العدة ويتخذوا ما يستطيعون من وسائل القوة لمواجهة الأعداء المتربصين في الخارج والأعداء المتربصين في الداخل من المرتدين والمنافقين الذين سوف يسعون إلى الفتنة وإعاقة إقامة شريعة الله في البلاد، وقد قال تعالى عن المنافقين: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، وقال تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا
(1) طريق الهجرتين.