مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى , وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال"تضمن الله لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه أن لا يضلّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا هذه الآية: {فَمَنِ اتَّبَعَ هَدَايَ فَلا يضلُّ وَلا يَشْقَى} ".
من مزايا الشريعة الإسلامية موافقتها للفطرة، فهي لا تتعارض مع الفطرة السليمة، ما دام أن الإنسان باق على أصل فطرته ولم تتغير فطرته ولم تنحرف, وأما إذا تغيرت فطرته بسبب المؤثرات المحيطة به ففي هذه الحالة يعارض بعقله الفاسد الشريعة ويخالفها وينفر منها, وقد قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ. فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ) فهذا الإعراض، والنفور، والفرار عن الحق هو بسبب تغير الفطرة عن أصل خلقتها, وقد قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} , وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء", ثم يقول {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري.
فإن النفوس فطرت على الطمأنينة بالحق ومعرفته، كما في حديث النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ رضي اللَّه عنه عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال"البرُّ حُسنُ الخُلُقِ، وَالإِثمُ ما حاكَ في نفْسِكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ"رواه مسلم.
وعن وابصةَ بنِ مَعْبِدٍ رضيَ اللَّه عنه قال: أَتَيْتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقال"جِئْتَ تسأَلُ عنِ البِرِّ"قلت: نعم، فقال"اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البِرُّ: ما اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، واطْمَأَنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، والإِثمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوكَ"رواهُ أحمدُ، والدَّارَمِيُّ, وعن الحَسَنِ بن عَليٍّ رضيَ اللَّهُ عنهما، قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُول اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم"دَعْ ما يَرِيبُكَ إِلى مَا لا يرِيبُك"رواهُ الترمذي وغيره, وفي رواية للترمذي وغيره"فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة", قال ابن رجب رحمه الله"ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها فإن الحلال المحض لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب، والريب بمعنى القلق والاضطراب بل تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق والاضطراب الموجب للشك"وقال"وقوله في الرواية الأخرى إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة. يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل، كما قال في حديث وابصة: وإن أفتاك الناس وأفتوك. وإنما يعتمد على قول من يقول الصدق وعلامة الصدق أن تطمئن به القلوب، وعلامة الكذب أن تحصل به الريبة، فلا تسكن القلوب إليه بل تنفر منه" [1] , وقال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أن أبا إدريس الخولاني عائذ الله أخبره أن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل أخبره
(1) جامع العلوم والحكم