فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 309

قلب النطفة، وصرفها حتي صارت أكمل مما هي وهي العلقة، ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها، فسوَّى خلقها فدبَّرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها، حتى انتهى كمالها بشرا سويا، فكيف يتركه سدى لا يسوقه إلى غاية كماله الذي خلق له, فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلَّته على المعاد والنبوات، كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله، فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه، فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه، وأنه الملك الحق المتعالي عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها، وتأمل كيف لما زعم أعداؤه الكافرون أنه لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله، وأنه لا يبعثهم للثواب والعقاب كيف كان هذا الزعم منهم قولا بأن خلق السماوات والأرض باطل، فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} ، فلما ظن أعداؤه أنه لم يرسل إليهم رسولا، ولم يجعل لهم أجلا للقائه كان ذلك ظنًّا منهم أنه خلق خلقه باطلا، ولهذا أثنى تعالى على عباده المتفكرين في مخلوقاته بأن أوصلهم فكرهم فيها إلى شهادتهم بأنه تعالى لم يخلقها باطلا، وأنهم لما علموا ذلك وشهدوا به علموا أن خلقها يستلزم أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، فذكروا في دعائهم هذين الأمرين، فقالوا: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [1]

اقتران العنت والفساد بالأهواء:

قال الله تعالى: {وَآعْلَمُو ا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَاكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَائِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ، أي لو يطيعكم فيما ترونه بآرائكم وتقولونه باجتهادكم لهلكتم وشقيتم، والعنت هو المشقة والشدة والإثم والهلاك، ولكن الله مَنَّ عليكم وحفظكم وعصمكم من أن ينالكم العنت بأن حبب إليكم الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وحسنه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، ولهذا فأنتم لا تقدمون بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتبعونه، ولو لم تفعلوا واتبعتم آراءكم المخالفة للكتاب والسنة لنالكم العنت، وقد أخرج الترمذي وغيره عن أبي نضرة قال: قرأ أبو سعيدالخدري {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم يوحى إليه وخيار أمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم"."

وقوله"خيار أمتكم"يعني الصحابة رضي الله عنهم، وقوله"فكيف بكم اليوم"أي كيف يكون حالكم لو أُخذ بآرائكم واجتهاداتكم المخالفة للقرآن والسنة وخطابه موجه للتابعين، فإذا كان العنت والهلاك والشقاء سوف يلحق بالصحابة رضي الله عنهم إذا قدموا آراءهم على الكتاب والسنة فكيف يكون الحال في زماننا الذي فشت فيه الآراء والأهواء والأفكار المضللة.

(1) بدائع الفوائد ت. العمران ص 1595 ـ 1597

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت