فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 309

وأحيانا يسوون المخلوق بالخالق في العبادة، فيجعلون ما هو حق لله تعالى لغيره من الخلق، كما قال تعالى: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"أي أن نجعل أمركم مطاعا كما يطاع أمر رب العالمين وعبدناكم مع رب العالمين" [1] ، فسوّوا طواغيتهم بالله تعالى في المحبة، و التعظيم، والعبادة، والطاعة كالديمقراطيين وغيرهم من اللادينين (العلمانيين) الذي يجعلون التشريع والطاعة للمخلوق.

فكثير من شبه المجادلين بالباطل قائمة على تشبيه المخلوق بالخالق تبارك وتعالى بالصفات، أو تسوية المخلوق بالخالق في العبادة.

و هذا التشبيه الضال والحيرة التي تاه فيها هؤلاء الحيارى إنما هي بسبب كفرهم وجهلهم بربهم تبارك وتعالى، فلم يقدِّروا الله حقَّ قدره، ولم يعظِّموه حقَّ تعظيمه، بل شبَّهوه وسوَّوه بخلقه تعالى الله عما يظن الظالمون علوًّا كبيرا، وقد قال تعالى: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} ، وقد أخرج سعيد بن منصور وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} قال:"لا تعلمون لله عظمة".

وقال تعالى: {ياأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}

وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فمن جهل صفات الله تبارك وتعالى وأشرك معه غيره لم يقدِّره حقَّ قدره، وكذلك لم يقدِّر الله حق قدره من ظنَ أن الله تعالى خلق الجن والإنس عبثا، وأنه يتركهم سدى لا يرسل إليهم رسلا يدعونهم إلى عبودية الله وتحكيم شريعته، كما قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُو ا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} .

وقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} .

و قال تعالى: {أَ يَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ا}

قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله: في قول تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} قال الشافعي رحمه الله: مهملا لا يؤمر ولا ينهى، وقال غيره: لا يجزى بالخير والشر، ولا يثاب ولا يعاقب، والقولان متلازمان، فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب، وهو الأمر والنهي، والآخر ذكر غاية الأمر والنهي، وهو الثواب والعقاب، ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} فمن لم يتركه وهو نطفة سُدى, بل

(1) تفسير القرآن العظيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت