فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 309

باب: العقل

لقد أرسل الله تعالى الرسل عليهم الصلاة والسلام بالكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل والحق، كما قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} ، فجعل تعالى المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط وهو العدل في حقوق الله وحقوق العباد، وجعل الله تعالى الكتاب والميزان متلازمين كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} ، وقال تعالى: {وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ. أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} أي ووضع العدل لتكون أحوال الخلق كلها قائمة بالعدل والحق، والميزان هو العدل وما يعرف به العدل كالأقيسة الصحيحة، والعلل والحكم الشرعية، والميزان المعروف ونحوه، والفطر والعقول السليمة فإن الله تعالى فطر العباد على توحيده تبارك وتعالى كما قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} فأمر تعالى بأن يسدّد وجهه وقصده لهذ الدين الذي هو فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، وقوله تعالى: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} أي لا تغيّروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبرا بمعنى الطلب، وقيل: المعنى أن الله تعالى خلق العباد، وسوّى بينهم في الفطرة، ولا اختلاف بينهم في أصل الفطرة، وإنما تفسد الفطرة بما يطرأ عليها من الكفر والانحراف، كما جاء عن أبي هريرة رضي االله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء؟"ثم يقول {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري، أي تلد البهيمة بهيمة جمعاء، وهي التي لا نقص في خلقها، فلا يحس فيها من جدعاء وهي مقطوعة الأذن، والمعنى أن أهلها هم الذين غيّروا خلقها بجدع أذنها، وكذلك المولود يولد وقد فطر على معرفة التوحيد, ولكن أبواه يغيّرانه عن فطرته، وقال صلى الله عليه وسلم:"قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم"رواه مسلم.

وقال تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} فالمؤمن على إيمان وهدى من ربه، ويتبع هذا الإيمان ويوافقه ولا يخالفه شاهد من الله وهو القرآن.

و قال الله تبارك وتعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِي ءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} ، قال الإمام ابن القيم رحمه الله"والمصباح هو نور الإيمان في قلبه، والشجرة المباركة هي شجرة الوحي المتضمّنة للهدى ودين الحق، وهي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت