فالله تعالى هو الذي خلق الخلق، وهو أعلم بما يصلحهم في دنياهم وآخرتهم، كما قال تعالى: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} .
وقال تعالى: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} ، وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ، فأنى لهذا الإنسان الضعيف من كل وجه أن يدرك مصلحته بنفسه، وأن يحيط بما فيه نفعه على وجه الكمال والتمام، فإن الإنسان ضعيف ظلوم جهول، كما قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} ، ولو خلِّي بين الناس وبين أنفسهم وتقديراتهم واستحساناتهم لأهلكوا أنفسهم، ولأوردوها موارد الشقاء والضلال، فإن الناس ضعفاء في علومهم وإدراكهم، بل لا يعلمون حقيقة الأرواح التي في أبدانهم، كما قال الله تبارك وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} ولكن هذا المخلوق الضعيف الذي خلقه الله من نطفة إذا كفر جاهر بكفره، وخاصم ربه وعارض أحكامه بأقيسته وأدلته العقلية الفاسدة، كما قال الله تبارك وتعالى: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ. مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ. ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ. كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} ، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} فهذا الكافر استدل بعقله الفاسد على إنكار البعث بتشبيه قدرة الخالق بقدرة المخلوق، قال الإمام ابن جرير رحمه الله:"فتأويل الكلام إذن: أو لم ير هذا الإنسان الذي يقول: {مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} أنا خلقناه من نطفة فسوّيناه خلقا سَوِيًّا، فإذَا هوَ خَصِيمٌ. يقول: فإذا هو ذو خصومة لربه، يخاصمه فيما قال له ربه إني فاعل، وذلك إخبار لله إياه أنه مُحْيي خلقه بعد مماتهم، فيقول: مَنْ يحيي هذه العظام وهي رميم؟ إنكارا منه لقُدرة الله على إحيائها وقوله: مُبِينٌ يقول: يبين لمن سمع خُصومته وقيله ذلك أنه مخاصم ربه الذي خلقه. وقوله: {وَضَرَبَ لنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} يقول: ومثَّل لنا شبها بقوله: {مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} إذ كان لا يقدر على إحياء ذلك أحد، يقول: فجعلنا كمن لا يقدر على إحياء ذلك من الخلق {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} يقول: ونسي خلْقنَا إياه كيف خلقناه، وأنه لم يكن إلا نطفة، فجعلناها خلقا سَوِيًّا ناطقا، يقول: فلم يفكر في خَلْقِناهُ، فيعلم أن من خلقه من نطفه حتى صار بشرا سويا ناطقا متصرّفا، لا يعْجِز أن يعيد الأموات أحياء، والعظام الرَّميم بشَرا كهيئتهم التي كانوا بها قبل الفناء" [1] .
وإذا تأمل المسلم الكثير من شبه المجادلين بالباطل وجدها من هذا الضرب، فإن اعتراضاتهم وشبههم وأقيستهم الفاسدة قائمة على تشبيه صفات الخالق بصفات المخلوق كصفة العلم أو القدرة أو القوَّة أو غيرها من الصفات،
(1) جامع البيان