عباس, وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول:"العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق", وعن سفيان بن عيينة وسحنون:"أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما", وقال سفيان:"من فتنة الرجل إذا كان فقيها أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت".
لقد حرم الله تعالى القول في شرعه بغير علم، والإفتاء بما يخالف الكتاب والسنة من أقوال أهل العلم، أو القول بمجرد الرأي، أو تتبع رخص العلماء وزلاتهم، أو التخيير بين أقوال أهل العلم دون الرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد قال تعالى: {ياأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّو ءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} .
وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} .
وقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَاذَا حَلاَلٌ وَهَاذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ،والآيات في هذا الأصل كثيرة.
وقال صلى الله عليه وسلم:"من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه"رواه أبو داود، وقد تقدم حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما المتفق عليه.
وعن عليّ رضي اللّه عنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم"يمسح على ظاهر خفّيه"رواه أبو داود.
وعن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله حدثه أنه سمع رجلا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال عبد الله بن عمر: هي حلال. فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنها فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم أأمر أبي نتبع أم أمر رسول الله صلى لله عليه وسلم؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم"رواه الترمذي."
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله:"وأيضا فإن ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل, وأيضا فإنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها, لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء, وهو عين إسقاط التكليف بخلاف ما إذا تقيد بالترجيح, فإنه متبع للدليل, فلا يكون متبعا للهوى ولا مسقطا للتكليف" [1] , وقال
(1) الموافقات.