فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 309

مقاصد العقوبات الشرعية:

أولا: تحقيق الإيمان:

إن إيمان العبد لا يتحقق إلا بالتحاكم إلى شرع الله, واجتناب التحاكم إلى غير شرع الله من الطواغيت كالقوانين الوضعية وغيرها, وقد قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو ا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُو ا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} .

وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، فنفى الله تعالى الإيمان, وأكد النفي بالقسم وتكرار أداة النفي, حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم, و"ما"في قوله {فِيمَا} موصولة بمعنى الذي, وهي من صيغ العموم, فتعم كل ما تشاجر فيه المتشاجرون, ولم يقتصر على مجرد التحاكم, بل ضم إليه انتفاء الحرج والضيق من الحكم, وأن يسلموا وينقادوا له انقيادا تاما, فلا يعارضون حكمه ظاهرا ولا باطنا, بل ينقادون لحكمه ظاهرا وباطنا.

الثاني: سياسة الردع, وحفظ الضرورات, وإصلاح الناس:

من المقاصد الشرعية في إقامة العقوبات، تحقيق سياسة الردع, فإن هذا المقصد من أعظم المقاصد التي ينبغي للمسلم المعرفة بها ليزداد فقها وعلما في العقوبات الشرعية ومقاصدها، وهذه المعرفة بهذا المقصد من أهم المعارف في السياسة الشرعية التي يحتاجها ولاة الأمور لإصلاح المجتمع وطهارته، وردع أهل الفساد والإجرام، وقد قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه:"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

وسياسة الردع في الشريعة الإسلامية تكون في حق الكفار المحاربين بالتنكيل بهم من خلال الجهاد في سبيل الله وتكون في حق من ارتكب جرما من المسلمين استحق عليه العقوبة الشرعية، وقد قال الله تعالى في شأن الكافرين المحاربين: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي نكل بهم نكالا يشرد, ويبدد, ويردع من سواهم من الكفار, حتى لا يفعلوا فعلهم.

وقال تعالى في القصاص: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يأُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فإن القصاص من القاتل يردع الكثير ممن يريدون ارتكاب جريمة القتل عن فعلها, فتصان حياة الناس, وتحفظ دماؤهم بسبب عقوبة القصاص الرادعة, وقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال"جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لأولي الألباب وفيه عظة لأهل الجهل والسفه كم من رجل قد هم بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها ولكن الله حجز عباده بها بعضهم عن بعض وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر إصلاح في الدنيا والآخرة وما نهى الله عن أمر إلا وهو أمر فساد والله أعلم بالذي يصلح خلقه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت