قال: فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلا وترك سائرها قال:"إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعدد، فأظهر الله أهل الضعف عليهم فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه"رواه أحمد، قال ابن كثير رحمه الله:"هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم فيما لا يليق بهم أسخطوا لله عليهم بسبب هذا الاعتداء" [1] .
فالجهاد في سبيل الله شريعة ربانية غايتها: أن تكون كلمة الله هي العليا، ومنهجها وطريقها الذي يسلكه المجاهدون في جهادهم هو شرع الله تبارك وتعالى وحكمه.
وأما الصليبيون واليهود فغاية حروبهم التي يسعرونها في الأرض أن يستعبدوا الشعوب، ويخضعوها لطاعتهم، والتحاكم لطواغيتهم كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} ، ويحرضهم ويغريهم ما في نفوسهم من إرادة العلو في الأرض، والتجبر والاستطالة على الآخرين، والسطو على خيراتهم، ونهب ثرواتهم ومعادنهم ونفطهم، وإيجاد أسواق لبضائعهم، ولتحقيق أهداف حروبهم وبواعثها الإجرامية، فإنهم يسلكون جميع المسالك والأساليب الملتوية الجائرة، عملا بقاعدتهم الشيطانية (الغاية تبرر الوسيلة) ، وما يحدث من جرائم في حق المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وفي سجن أبو غريب وغونتنامو وغيرها شاهد على ذلك.
إذا امتنعت طائفة تنتسب إلى الإسلام عن شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة: كالصلاة أو الزكاة أو صيام رمضان أو الحج أو الجهاد في سبيل الله أوغيرها من الشعائر، فإنها تقاتل حتى يكون الدين كله لله، وقد قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدينُ كُلُّهُ لله} ، وقد قاتل الصحابة رضي الله عنهم من امتنعوا عن أداء الزكاة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه. وحسابه على الله". فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال. فعرفت أنه الحق"رواه البخاري ومسلم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج، ففي الصحيحين عن سويد بن غفلة. قال: قال علي: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأن أخرّ من السماء أحبّ إلي من أن أقول عليه ما لم يقل. وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية. يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم. يمرقون
(1) تفسير القرآن العظيم.