ولا على أعراضهم، ولا على أموالهم، ولكني بعثتكم لتقيموا بهم الصلاة، وتقسموا فيئهم، وتحكموا بينهم بالعدل، فإن أشكل عليكم شيء فارفعوه إلي، ألا فلا تضربوا العرب فتذلوها، ولا تجمروها فتفتنوها، ولا تعتلوا عليها فتحرموها، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، انطلقوا وأنا شريككم"رواه عبد الرزاق في مصنفه، ففي الأثر نهى الأمراء عن المركب الذي يحدث الخيلاء والتكبر، وعن التنعم والإسراف في الطعام واللباس."
بعد أن بايع المسلمون أبا بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة خطب الناس خطبة عظيمة، جمعت أصولا من أصول السياسة الشرعية، فقد روى ابن إسحاق أن المسلمين بايعوا أبا بكر رضي الله عنه، ثم"تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله", قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح.
فقوله رضي الله عنه:"قد وليت عليكم ولست بخيركم", فهو رضي الله عنه أفضل الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم, وإنما قال هذا لتواضعه رضي الله عنه, وهذا الذي يجب أن يكون عليه الإمام مع رعيته، فيعاملهم بالتواضع واللين من غير ضعف, ويتحبب إليهم ويرحمهم, وقد قال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} , وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} .
معاونة الإمام على البر والتقوى:
وقوله رضي الله عنه"فإن أحسنت فأعينوني", يدل على أن من الواجبات على الرعية في حق الإمام معاونته على البر والتقوى, وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} , وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه:"أيها الرعية إن لنا عليكم حقا: النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير، إنه ليس من حلم أحب إلى الله، ولا أعم نفعا من حلم إمام ورفقه، أيها الرعية إنه ليس من جهل أبغض إلى الله، ولا أعم شرا من جهل إمام وخرقه" [1] .
فالواجب على المسلمين أن يعاونوا الإمام على الحكم بشرع الله وإقامة العدل بين الناس, وأداء الأمانات والحقوق إلى أهلها, والأخذ على أيدي المفسدين والجناة, وأما إذا أمرهم بمعاونته على الإثم والعدوان فلا يعاون, بل يجب الإنكار عليه ومحاسبته ومحاكمته, وقد نهى الله تعالى عن التعاون على الإثم والعدوان, فقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى
(1) تاريخ الطبري والزهد لهناد.