فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 309

غَطَّيْنا بهَا رَاسَهُ، بَدَتْ رجْلاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ، بَدَا رَاسُهُ، فَأَمَرَنا رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، أَنْ نُغَطِّيَ رَاسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلى رجْليهِ شَيْئًا مِنَ الإِذْخِرِ، ومِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ. فَهُوَ يَهدبُهَا"، متفقٌ عليه, وعنْ عبد اللَّهِ بن عمرو ابنِ العاص، رضي اللَّه عنْهُما، قال: قال رسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:"ما مِنْ غَازِيةٍ، أوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنمُ وتَسْلَم، إلاَّ كانُوا قَدْ تعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجورِهِم، ومَا مِنْ غازِيةٍ أوْ سرِيَّةٍ تُخْفِقُ وتُصابُ إلاَّ تَمَّ لهم أُجورُهُمْ"رواهُ مسلمٌ, قال الإمام النووي رحمه الله:"فالصواب الذى لا يجوز غيره أن الغزاة اذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فاذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة: كقوله منا من مات ولم يأكل من أجره شيئا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها أى يجتنيها" [1] , وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله وإن كان عليه كريما"رواه ابن أبي الدنيا, وقال المنذري: وإسناده جيد."

فينبغي للإمام أن يحاسب الأمراء على الثراء المفاجئ، وينظر في سبل كسبهم للأموال, حتى لايستغل بعضهم الولاية لأخذ الرشا أو الهدايا أوجمع الأموال بسبب محاباة الناس لهم في البيع والمعاملات، وفي الطبقات الكبرى لابن سعد عن ابن عمر أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم منهم سعد بن أبي وقاص، فشاطرهم عمر أموالهم، فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا"وعن الشعبي في الطبقات أيضا"أن عمر كان إذا استعمل عاملا كتب ماله", قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله"وما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق فلولي الأمر العادل استخراجه منهم: كالهدايا التى يأخذونها بسبب العمل. قال أبو سعيد الخدري رضى الله عنه: هدايا العمال غلول. وروى إبراهيم الحربي في كتاب الهدايا عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى قال:"هدايا الأمراء غلول"...

وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة، ونحو ذلك هو من نوع الهدية، ولهذا شاطر عمر بن الخطاب رضى الله عنه من عماله من كان له فضل ودين لا يتهم بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك، لأنه كان إمام عدل يقسم بالسوية" [2] ."

ومن ظهر عليه من الأمراء الترف والخيلاء في الملبس أو المسكن أو المركب أو غيره, ورأى الإمام المصلحة في عزله فله أن يعزله, فإن الولاية تقتضي كمال النصح للمسلمين، وأن يحب الأمير لهم من الخير ما يحب لنفسه, فإذا ظهر عليه الترف والتنعم، والفقراء من حوله لا يجدون بعض حاجاتهم, وهو لا يحسن إليهم، ولا يؤثرهم على نفسه, دل هذا على نقص نصحه للمسلمين، فعن عاصم بن أبي النجود"أن عمر ابن الخطاب كان إذا بعث عماله شرط عليهم: ألا تركبوا برذونا، ولا تأكلوا نقيا، ولا تلبسوا رقيقا، ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس، فإن فعلتم شيئا من ذلك فقد حلت بكم العقوبة، قال: ثم شيعهم، فإذا أراد أن يرجع قال: إني لم أسلطكم على دماء المسلمين،"

(1) شرح النووي على صحيح مسلم.

(2) مجموع الفتاوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت