والعبث، وقد أخبر الله تعالى عن هود عليه الصلاة والسلام أنه أنكر على قومه تشييدهم المباني عبثا: {أَتَبْنُونَ بِكُل رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} ، وأخبر تعالى عن صالح عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} ، قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبثًا من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها" [1] .
من مقاصد الشريعة الإسلامية الرحمة بالخلق وإطعام الفقراء وتوفير حاجاتهم وتحقيق كفاياتهم بما يخرجهم من فقرهم, ومن مقاصد الشريعة ألا يكون المال متداولا بين الأغنياء دون الفقراء، كما قال تعالى في أموال الفيء: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} .
فقد جاءت الشريعة الإسلامية بنظام متكامل في النفقات لسد حاجات المحتاجين ورفع معاناة الفقراء وإزالة فقرهم وحاجتهم، وهو نظام تتجلى فيه الأخلاق العظيمة: كالعدل والرحمة والمحبة والبر والصلة، والتعاون على البر والتقوى، والكرم، والأخوة الإيمانية، ومحبة المسلم لأخيه ما يحب لنفسه من الخير.
فقد جاءت الشريعة بوجوب النفقة بقدر الكفاية على الرجل لأبنائه ووالديه وزوجته ومملوكه، فقال اللَّه تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، وقال تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} .
وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو بنِ العاص رضي اللَّه عنهما قال: قال رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:"كَفى بِالمرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يقُوتُ"رواه أَبو داود وغيره, ورواه مسلم في صحيحه بلفظ قال"كَفى بِالمرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يملِكُ قُوتَهُ".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت هند بنت عتبة، امرأة أبي سفيان، على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح. لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني. إلا ما أخذت من ماله بغير علمه. فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خذي من ماله بالمعروف، ما يكفيك ويكفي بنيك"متفق عليه.
وقال النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:"الْيَدُ الْعُلْيا خَيْرٌ مِنَ الْيدِ السُّفْلَى وابْدَا بمن تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنَى، ومَنْ يَسْتَعِففْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِه اللَّهُ"رواه البخاري.
وكذلك تجب نفقة القريب المعسر المحتاج على قريبه الوارث الموسر، لقوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذالِكَ} .
كما يجب على الحكومة الإسلامية أن تسد حاجات الفقراء من موارد بيت المال العام، ومن المال الخاص كالزكاة فيعطون من الزكاة بقدر كفايتهم حتى يحصل لهم الغنى الذي يخرجهم من حالة الفقر والمسكنة، فيعطى الفقير ما يحتاج إليه من المسكن والملبس والطعام، وكذلك إذا احتاج الزواج فيزوج, وقد بين الله تعالى مصارف الزكاة في
(1) تفسير القرآن العظيم.