تهدف السياسة الشرعية إلى إصلاح أحوال الناس في أمور دينهم، وتحكيم شرع الله في جميع شؤون حياتهم، لتحقيق الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} , ومتى ما فرط العبد بعبودية الله فلن ينفعه ما نعم به من متاع الدنيا الزائل, وقد قال صلى الله عليه وسلم:"من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له"رواه ابن ماجة وأحمد واللفظ له.
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه:"إنه لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فآثر نصيبك من الآخرة على نصيبك من الدنيا، فإنه يأتي بك أو يمر بك على نصيبك من الدنيا فيتنظمه لك انتظاما، فيزول معك أينما زلت"رواه ابن أبي شيبة وغيره.
ومع إصلاح أحوال الناس في أمور دينهم, يجب على الحكومة الإسلامية إصلاح أحوال الناس في شؤون دنياهم ومعاشهم, وقد قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} , وقال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} , قال الإمام ابن كثير رحمه الله"وقوله {وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} أي أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ} أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض وتسيء إلى خلق الله {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} " [1] .
وقد جعل الله تعالى بالأموال قيام أحوال الناس في أمور دينهم ودنياهم، فقال تعالى: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} , وقد أخرج ابن جرير عن السدي قال:"فإن المال هو قيام الناس قوام معايشهم", فبالأموال تقوى دولة الإسلام, ويجاهد في سبيل الله, وتعد العدة، وتنتج الصناعات العسكرية وغيرها, وتقسم الأجور والعطاءات والمساعدات على الناس, وبها تبنى المساجد والمستشفيات والمدارس وغيرها من المصالح.
(1) تفسير القرآن العظيم.