المسلمين وقوة على عدوهم وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك. قال ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه"، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما"رواه البخاري، وأخرج أبوعبيد عن صعصعة قال سألت ابن عباس فقلت إنا نسير في أرض أهل الذمة فنصيب منهم فقال بغير ثمن قلت بغير ثمن قال فما تقولون قلت نقول حلالا لا بأس به فقال أنتم تقولون كما قال أهل الكتاب {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، وأخرج عن طلحة بن مصرف قال قال خالد بن الوليد"لا تمش ثلاث خطى لتأمر على ثلاثة نفر ولا لترزأ معاهدا إبرة فما فوقها ولا لتبغي إمام المسلمين غائلة" [1] ، وعن هِشَام بن حكيم بن حزامٍ رضي اللَّهُ عنْهُما أنَّهُ مرَّ بالشَّامِ على أنَاسٍ مِنَ الأنباطِ، وقدْ أُقِيمُوا في الشَّمْس، وصُبَّ على رُؤُوسِهِم الزَّيْتُ، فَقَال: ما هَذا قًيل: يُعَذَّبُونَ في الخَراجِ، وَفي رِوايةٍ: حُبِسُوا في الجِزيةِ. فَقَال هِشَامٌ: أشْهَدُ لسمِعْتُ رسُول اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ"إن اللَّه يُعذِّبُ الذِينَ يُعذِّبُونَ النَّاس في الدُّنْيا"فَدَخَل على الأمِيرِ، فحدَّثَهُ، فَأمر بِهم فخُلُّوا. رواه مسلم، وعن جبير بن نفير"أن عمر بن الخطاب أتي بمال كثير من الجزية فقال إني لأظنكم قد أهلكتم الناس قالوا لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا قال بلا سوط ولا نوط قالوا نعم قال الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني"."
إن المسلم يجاهد في سبيل الله، ويبتغي بذلك إقامة حكم الله
في الأرض، وهو في سعيه وجهاده لتحقيق هذه الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها يتمسك بشريعة الله العادلة، ولا يخرج عن العدل والإنصاف مع الصديق أو العدو فإن الظلم لا يحل مطلقا، حتى ولو اعتدى عليه الظالمون المعتدون من الصليبيين أو اليهود أو غيرهم، وقد قال الله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا} ، أي لا يحملبكم بغض الكفار لأجل ظلمهم وعدوانهم عليكم إذ صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا عليهم وتطلبوا الانتقام منهم عدوانا وظلما، بل الزموا الإنصاف مع أعدائكم، وعاملوهم بالعدل الذي شرعه الله لكم، وقال الله تبارك وتعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ، أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل، ولكن الزموا العدل فإن العدل أقرب إلى التقوى، وقال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ، وعن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة يقول ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمثالا واحدا وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة وأحد عشر
(1) الأموال لأبي عبيد.