فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 309

الثاني: حكم التحاكم إلى الهيئات والمؤسسات والمحاكم الدولية:

من المعلوم من الدين بالضرورة أن التحاكم إلى غير شرع الله من الكفر والشرك بالله تعالى كما قال تعالى: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} , فمن تحاكم إلى الهيئات الدولية كهيئة الأمم المتحدة, ودخل في عضويتها, وتحاكم إلى قوانينها ومحاكمها فقد تحاكم إلى الطاغوت كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو ا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُو ا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} .

وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} , فسوى الله تعالى بين الخائضين الذين يكذبون بالحق ويطعنون فيه وبين القاعدين معهم, فإن الرضى بالكفر كفر, وهذا كالقعود في مجالس هيئة الأمم المتحدة أو مجالس الكفار والمرتدين عموما التي يكذب بها بآيات الله تعالى, قال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن الفضل ثنا محمد بن علي أنبا محمد بن مزاحم عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال:"إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن فإنكم إذا مثلهم", وأخرج ابن جرير عن هشام بن عروة قال أخذ عمر بن عبد العزيز قوما على شراب فضربهم وفيهم صائم فقالوا إن هذا صائم فتلا {فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} .

وقال القرطبي في قوله تعالى {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} "فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر قال الله عزوجل {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية" [1] .

وقوله تعالى في الآية {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} أي كما اجتمع الكفار والمنافقون في الدنيا على الكفر والباطل والطعن بالحق, وفي مجالس التآمر والكيد فإن الله تعالى سيجمع بينهم جميعا في نار جهنم, قال ابن جرير"وقوله {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم} يقول إن الله جامع الفريقين من أهل الكفر والنفاق في القيامة في النار فموفق بينهم في عقابه في جهنم وأليم عذابه كما اتفقوا في الدنيا فاجتمعوا على عداوة المؤمنين وتوازروا على التخذيل عن دين الله وعن الذي ارتضاه وأمر به أهله".

وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} , فنهى الله تعالى على القعود مع الذين يخوضون في آيات الله تعالى, وخوضهم فيها هو تكذيبهم واستهزاؤهم وطعنهم فيها, وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قوله فاعرض

(1) جامع البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت