تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة فالحاجة إلى ذلك تكون أشد فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بنى آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا به" [1] ."
الشريعة الإسلامية مبناها على التيسير فهي ميسرة في أصلها، وعند الطارئ كالمرض والسفر ونحوه حيث جاءت بالتيسير والتخفيف في حق المريض والمسافر ونحوهما، وقد قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، وقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَاذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} .
وعن أَنس رضي اللَّه عنه عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال:"يسِّرُوا وَلا تُعَسِّروا. وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا"متفقٌ عليه، وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم:"يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا"، فالواجب على الولاة التيسير على الناس وتسكينهم وتجنب ما ينفرهم ويبعدهم عن الحق. وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذا إلى اليمن فقال:"يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا"أخرجه البخاري ومسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة"رواه البخاري، وفي رواية له:"سدِّدُوا وقَارِبُوا واغْدوا ورُوحُوا، وشَيْء مِنَ الدُّلْجةِ، الْقَصْد الْقصْد تَبْلُغُوا"، وعن ابن عباس قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله؟ قال:"الحنيفية السمحة"رواه أحمد وغيره.
وعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: مَا خُيِّر رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بَينَ أَمْرينِ قَطُّ إِلاَّ أَخذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَم يَكُن إِثمًا، فإنْ كانَ إِثمًا كَانَ أَبعد النَّاسِ مِنْهُ. ومَا انتَقَمَ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لِنَفْسِهِ في شَيءٍ قَطُّ، إِلاَّ أَن تُنتَهكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَينتَقِم للَّهِ تعالى. متفقٌ عليه، وهذا الحديث أصل عظيم في السياسة الشرعية يجب على ولاة الأمر العمل به في سياسة الدولة، وهو اختيار الأيسر الذي لا يشق على الناس ولا ينفرهم مالم يكن إثما، فإن كان إثما فالتيسير اجتنابه والبعد عنه وصيانة الرعية وتطهيرها من الوقوع فيه، فليس من التيسير الذي جاءت به الشريعة أن يلتمس رضا الناس بسخط الله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس"رواه ابن حبان وغيره واللفظ لابن حبان.
ومن التيسير الذي جاءت به الشريعة الإسلامية التيسير والرفق في تعليم الناس ودعوتهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"علموا ويسروا ولا تعسروا وإذا غضب أحدكم فليسكت"رواه أحمد وغيره، وقال صلى الله عليه وسلم"إن الله عز وجل"
(1) مجموع الفتاوى.