فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 309

باب: الحكم لله تبارك وتعالى

إن الحكم والتشريع من خصائص الألوهية, ومن نازع الله تعالى في الحكم والتشريع فقد تجاوز حد العبودية, ورام الألوهية, فهو طاغوت, وكلمة طاغوت مشتقة من الطغيان وهو مجاوزة الحد, وكل من آمن بهذا الطاغوت, واتخذه حكما ومشرعا, فقد اتخذه ربا, وعبده من دون الله تعالى, كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} , وقد روى الإمام أ حمد, والترمذي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه, أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي عنق عدي صليب من فضة, فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} قال: فقلت, إنهم لم يعبدوهم، فقال:"بلى إنهم حرموا عليهم الحلال, وأحلوا لهم الحرام, فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم", وأخرج ابن جرير بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال"لم يأمروهم أن يسجدوا لهم, ولكن أمروهم بمعصية الله, فأطاعوهم, فسماهم الله بذلك أربابا".

و أخرج ابن جرير بإسناده عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال"أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم, ولا يصلون لهم, ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه, وإذا حرموا عليهم شيئا أحله الله لهم حرموه, فتلك كانت ربوبيتهم".

وأخرج ابن جرير بإسناده عن أبي البختري رحمه الله قال"انطلقوا إلى حلال الله فجعلوه حراما, وانطلقوا إلى حرام الله فجعلوه حلالا, فأطاعوهم في ذلك, فجعل الله طاعتهم عبادتهم, ولو قالوا لهم: اعبدونا. لم يفعلوا".

وأخرج ابن جرير بإسناده عن أبي العالية أنه قال:"قالوا: ما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنا انتهينا لقولهم: وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم". وهذه الآية كقوله تعالى: {قُلْ يأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ، وقد أخرج ابن جرير وغيره عن ابن جريج في قوله تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا} قال"لا يطع بعضنا بعضا في معصية الله". فكانت عبادتهم لهم باتباعهم في التشريع، وهو التحريم والتحليل, وقد قرن الله تعالى من اتخذ الأحبار والرهبان أربابا مشرعين، بمن اتخذ المسيح عليه السلام ربا، فكما أن من عبد المسيح, فقد اتخذه ربا, وكفر بالله العظيم, فكذلك من اتخذ غير الله مشرعا, فقد اتخذه ربا وعبده من دون الله, وكفر كفرا يخرج من الملة.

والآية الكريمة تشير إلى أن الشرك في التشريع, والتحاكم إلى غيرالله, من سجايا اليهود والنصارى القديمة, التي لا تزال باقية, ولكن زادوا صورا وأشكالا جديدة من التحاكم إلى غير الله تعالى, كالتحاكم إلى قوانينهم, ومحاكمهم الكفرية, وإلى برلماناتهم, وهيئاتهم المحلية والدولية كهيئة الأمم المتحدة، وغيرها من الصور والأشكال, التي تجتمع في حقيقة واحدة, وهي رجوعهم إليها في الحكم والتشريع, وأنها أصبحت أربابا تعبد من دون الله تعالى. فمن تحاكم إلى غير الله تعالى, واتخذ غير الله حكما ومشرعا, فقد أشرك بالله شركا أكبر يخرج من ارتكبه من الإسلام, كما قال تعالى: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} , وفي قراءة: {وَلاَ تُشْرِك فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} ، بصيغة النهي عن الإشراك بالله تعالى في الحكم والتشريع, وهذه الآية كقوله تعالى: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} , فالشرك في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت