ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا وشيء نكرة في سياق الشرط، فتقتضي العموم، فكل ما تنازع فيه المتنازعون فيرد إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
إذا تبين للإمام من أدلة الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي حكم حادثة بعينها فلا مجال للشورى في هذه الحالة, وقد قال سفيان بن عيينة رحمه الله في قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} قال:"هي للمؤمنين أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر"أخرجه الإمام ابن جرير الطبري, فلا تجوز الشورى على مخالفة حكم الله تعالى: وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} , وقال تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} , وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} يقول:"لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة"، وقال ابن حزم رحمه الله"كما أننا ننكر بل نكفر من يشاور أيصلي الخمس أم لا؟ أيصوم رمضان أم لا؟ ونقطع أن مسلما لا يخالفنا في هذا" [1] .
فإذا عرضت للإمام مسألة أو نزلت نازلة لا يعرف الحكم الشرعي فيها فعليه أن يعرض المسألة على أهل الشورى, فإذا بين له بعضهم نصا شرعيا في المسألة أخذ به, وإذا لم يبينوا له نصا شرعيا استعرض أقوال أهل الشورى وأخذ أشبهها بالكتاب والسنة, الذي يعتقد أنه هو الحق والصواب وبه تتحقق المصلحة الشرعية, فإن تصرفات الأمير مناطة بالمصلحة الشرعية وبتنفيذ أحكام الله تعالى، ولا يتصرف في سياسات الدولة الداخلية والخارجية بما تشتهيه النفس, والقاعدة الشرعية أن"التصرف على الرعية منوط بالمصلحة"وقد دل على هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم"ما مِن عبدٍ يسترعِيهِ اللَّه رعيَّةً يَمُوتُ يومَ يَموتُ وهُوَ غَاشٌ لِرَعِيَّتِهِ، إلاَّ حَرَّمَ اللَّه علَيهِ الجَنَّةَ"متفقٌ عليه، وفي روايةٍ"فَلَم يَحُطهَا بِنُصْحهِ لم يجِد رَائحَةَ الجَنَّة"، وفي روايةٍ لمسلم"ما مِن أَمِيرٍ يَلِي أُمورَ المُسلِمينَ، ثُمَّ لا يَجهَدُ لَهُم، ويَنْصحُ لهُم، إلاَّ لَم يَدخُل مَعَهُمُ الجَنَّةَ"وغيره من الأدلة.
قال الإمام البخاري رحمه الله"وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم, ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة، فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". فقال أبو بكر: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تابعه بعد عمر, فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة، إذ كان عنده"
(1) كتاب الإحكام لابن حزم.