فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 309

وهو الحصن الذي يحول دون القبائح والرذائل، فإذا أزيل هذا الحصن - وهو ما يسعى الأعداء إليه - انهمك الناس في كل قبيح وخسيس، ويبين هذا قوله صلى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:"إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنعْ مَا شِئْتَ"رواهُ البُخَاريُّ، وعن عِمْران بن حُصَيْن، رضي اللَّه عنهما، قال: قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم"الحياَءُ لا يَاتي إلاَّ بِخَيْرٍ"متفق عليه، وفي رواية لمسلم"الحَياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ"أوْ قَالَ"الحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ"، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الحياء من الإيمان، فقال صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال"الإيمَانُ بِضْع وسبْعُونَ، أوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبةً، فَأَفْضَلُها قوْلُ لا إله إلاَّ اللَّه، وَأدْنَاها إمَاطةُ الأَذَى عنَ الطَّرِيقِ، والحياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ"متفق عليه، وعن ابْنِ عُمَرَ رضي اللَّه عنهما أَنَّ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ في الحَيَاءِ، فَقَالَ رسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم"دَعْهُ فإِنَّ الحياءَ مِنَ الإِيمانِ"متفقٌ عليه، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:"ولهذا كان خلق الحياء مشتقا من الحياة اسما وحقيقة، فأكمل الناس حياة أكملهم حياء، ونقصان حياء المرء من نقصان حياته، فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح فلا تستحي منها، فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك فاستحيت منه، وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة والصفات الممدوحة تابعة لقوة الحياة وضدها من نقصان الحياة" [1] .

فالحياء هو جمال أهل الإسلام وزينتهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"ما كان الفحش في شيء إلا شانه وما كان الحياء في شيء إلا زانه"رواه الترمذي وغيره، فمفهوم الجمال الحقيقي في الإسلام، هو جمال الاستقامة، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، كما قال تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} ، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} ، وقال تعالى: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} ، ومن الجمال المحمود أن يحب الرجل أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا كما في حديث عبدِ اللَّهِ بن مسعُودٍ رضيَ اللَّهُ عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال:"لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مثْقَالُ ذَرَّةٍ مَنْ كِبرٍ"فقال رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُه حسنًا، ونعلهُ حسنا قال"إِنَّ اللَّه جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ"رواه مسلم، ومن الجمال المحمود أن تتجمل المرأة لزوجها وأن يتجمل الزوج لزوجته، وأما تبرج المرأة وإبداؤها زينتها لغير محارمها فلا يسمى جمالا، بل هو شين وغواية، وإشاعة للفتنة، وإفساد في الأرض، ونزع لجلباب الحياء والعفة والطهارة، وتسربل بسربال الوقاحة وزي الجاهلية، وقد قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} ، وقال صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:"صِنْفَانِ مِنْ أهلِ النَّارِ لمْ أرَهُما: قَوْمٌ معهم سِياطٌ كأذْنَابِ الْبقَرِ يَضْرِبونَ بِها النَّاس، ونِساء كاسياتٌ عارِياتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأسْنِمةِ الْبُخْتِ المائِلَةِ لا يَدْخٌلنَ الجنَّةَ، ولا يجِدْنَ رِيحَهَا، وإنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مسِيرَةِ كذَا وكَذَا"رواه مسلم.

فمن توفرت فيه الشروط المتقدمة وهي العلم والتقوى والذكورة، أدخل في أهل الشورى ويقدم الأمثل، فالأمثل وفي حال الخلاف في استحقاق أحد الناس الدخول في أهل الشورى، أو الخلاف في كونه أولى من غيره فيفصل النزاع بالقضاء الشرعي لقول الله تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

(1) مدارج السالكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت