وهذه الصفات والأخلاق التي مدحهم الله بها تتضمن جميع صفات الخير والصلاح، فمن قام بها فقد قام بسائر شعائر الإسلام, فإن هذه الأوصاف كالقواعد والأصول العامة التي تتضمن جميع الأعمال الصالحة والسياسات الشرعية.
وقد ذكر الله تعالى الشورى بين ركني الصلاة والزكاة في قوله تبارك وتعالى: {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} فكما أن المؤمنين يحافظون على الصلاة ويؤدون الزكاة فكذلك من وصفهم وخلقهم الدائم الذي لا ينفكون عنه أنهم يتشاورون في أمورهم.
كما أن في الشورى تتحقق المصالح الشرعية ويقام العدل, وتدفع المفاسد والمظالم والاستبداد بالحكم, فإذا كانت هذه الواجبات من تحقيق المصالح، ودفع المفاسد والمظالم، لا تتحقق بتمامها إلا بشورى, فهذا يقتضي أن تكون الشورى واجبة فإن"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
أولا: أن الشورى عبادة لله تعالى والقائمون بها مطيعون لله تعالى ومستجيبون لأمره بالعمل بها.
ثانيا: أن الشورى يحصل بها سداد رأي والتوصل إلى الحق والصواب, والبعد عن الخطأ فهي من الحزم وهوكما قال ابن عطية:"جودة النظر في الأمر وتنقيحه، والحذر من الخطأ فيه", ثم إذا اختار الإمام ما ترجح عنده من الآراء بعد المشورة فعليه أن يعزم على فعله متوكلا على الله تعالى، كما قال الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِى الأٌّمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} والعزم هو أن يقصد إمضاء الأمر، وقال الإمام ابن جرير رحمه الله عن بعض أهل العلم"فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحقّ في ذلك، لم يخلهم الله عزّ وجلّ من لطفه، وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه" [1] ، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله"ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله، ولا ينفرد به واحد، وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم" [2] ، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} قال:"والله ما تشاور قط إلا عزم الله لهم بالرشد والذي ينفع"، وإذا شاور الإمام واجتهد في الواقعة فأخطأ في اجتهاده، فهو خطأ غير متعمد لا يلام عليه الإمام، ولا الذين أشاروا عليه به إذا اتقوا الله ما استطاعوا، قال القرطبي رحمه الله:"قال العلماء: وصفةُ المُستشار إن كان في الأَحْكامِ أن يكون عالِمًا دَيِّنًا، وقلّما يكونُ ذلك إلاّ في عاقل. قال الحسن: ما كَمُل دِينُ امراءٍ ما لم يكمل عقُله. فإذا استُشيِر مَن هذه صِفتُهُ واجتهد في الصَّلاحِ وبَذَل جُهدَه فوقعت الإشارةُ خَطَأً فلا غَرَامةَ عليه، قاله الخَطّابيُّ وغيرهُ" [3] .
(1) جامع البيان.
(2) إعلام الموقعين.
(3) الجامع لأحكام القرآن.