فالقرآن يهدي للتي هي أقوم وأعدل وأصوب في جميع الأقوال والأعمال والسياسات وشؤون الحياة، ومن ظن ولو في مسألة واحدة أن في أحكام الله تعالى حيف فقد كفر بالله تعالى، وقد قال تعالى: وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذالِكَ وَمَآ أُوْلَائِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ. وَإِذَا دُعُو ا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ. وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُو ا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ. أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُو ا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فمن أوصاف المنافقين الذين نفى الله تعالى عنهم الإيمان في هذه الآيات ظنهم الحيف في حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أرشد الله تعالى عباده إلى تدبر القرآن فقال تعالى {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} ، وبين تعالى أن القرآن ليس فيه تناقض وتفاوت وتعارض، لأنه من عند الله تبارك وتعالى، ولو كان من عند غير الله كما يزعم المشركون المفترون لوجدوا فيه تناقضا واختلافا كثيرا.
فالقرآن لا تتناقض ولا تتعارض أحكامه وأخباره، فأحكامه كلها عدل، وأخباره كلها صدق، فهي مطابقة للواقع، ولا يزيدها مرور الأوقات والاكتشافات العلمية إلا تصديقا، وبعكس ذلك من يكذب في أخباره، ويتكلم بمجرد الخرص والظن، فإن ما افتراه لا بد أن يظهر وينجلي لتناقضه ومصادمته للواقع.
والآية تدل على أن الباطل كثير الاختلاف والتشعب، وهذا دليل على فساده وضلال أهله وحيرتهم، ولهذا يفرد الله تعالى سبيله إذا ذكره في كتابه ويعدد سبل الضلالة لكثرتها واختلافها.
فكل من كذب بالحق فهو في ضلال وحيرة واضطراب، كما قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَق لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} ، أي مختلف وملتبس ومضطرب، وكما قال تعالى: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ. يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} ، وقال تعالى: {قُلْ أَنَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَب الْعَالَمِينَ} وقال تعالى عن المنافقين: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذالِكَ لاَ إِلَى هَاؤُلا ءِ وَلاَ إِلَى هَاؤُلا ءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} ، قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"يعني المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى أولئك" [1] ، وقال تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أي وقفوا حائرين، فهؤلاء الحيارى الضلال لا يعقلون، وفي تيههم يتخبطون، والعجب أنهم يدعون لأنفسهم العقل والذكاء، وهم في ظلمات الكفر والشك حائرون، فلا يميزون الحق من الباطل، فالحسن ما تستحسنه عقولهم، والقبيح ما تستقبحه عقولهم المتناقضة المختلفة، ولا يبصر العبد الحقائق، وينجلي له الحق من
(1) تفسير القرآن العظيم