فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 309

الذين في قلوبهم ميل عن الحقّ وَحَيْفٌ عنه، فيتبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه، واحتمل صرفه في وجوه التأويلات، باحتماله المعاني المختلفة إرادة اللبس على نفسه وعلى غيره، احتجاجا به على باطله الذي مال إليه قلبه دون الحقّ الذي أبانه الله، فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه.

وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معنيّ بها كل مبتدع في دين الله بدعة، فمال قلبه إليها، تأويلًا منه لبعض متشابه آي القرآن، ثم حاجّ به وجادل به أهل الحقّ، وعدل عن الواضح من أدلة آيه المحكمات إرادة منه بذلك اللبس على أهل الحقّ من المؤمنين، وطلبا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك كائنا من كان، وأيّ أصناف البدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية، أو كان سبئيا، أو حروريا، أو قدريا، أو جهميا" [1] ."

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الخوارج:"يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه"، وقد عزر عمر رضي الله عنه بالضرب صبيغ بن عسل لأنه كان يسأل عن متشابه القرآن، وأمر ألا يجالس.

وقول عمر رضي الله عنه"وحكم الأئمة المضلين"أي الأمراء من أهل الضلال، الذين إذا استولوا على البلاد أفسدوا فيها، وأضلوا الناس، وصدوهم عن الإسلام، قال ابن أبي العزالحنفي رحمه الله:"فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله، وأحبار السوء وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله وتحريم ما أباحه الله، واعتبار ما ألغاه وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك، والرهبان وهم جهال المتصوفة المعترضون على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والتعوض عن حقائق الإيمان بخداع الشيطان وحظوظ النفس [2] ."

وأما المؤمنون بالله تبارك وتعالى, الذين يؤمنون بأن الله تعالى {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْما} ، وأنه {أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} ، وأنه {خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} ، وأنه تبارك وتعالى {خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} ، وأنه {أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ، وأن أحكامه تبارك وتعالى مشتملة على العلم والحكمة والرحمة والعدل، فلا يعارضون أحكامه بآرائهم وعقولهم القاصرة، أو بشبهة أو شهوة، بل ينقادون لأمر الله ظاهرا وباطنا، ويقولون كما أخبر الله تعالى عنهم: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} ، وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُو ا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

فإن أحكام الله تعالى كلها حق وعدل، وما خالفها فهو كفر وظلم، وقد قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وقال تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} ، وقال تعالى: {إِنَّ هَاذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} ،

(1) جامع البيان

(2) شرح العقيدة الطحاوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت