الأوامر والتعليمات والتوجيهات من الأمراء والمسؤولين إلى من تحت إمرتهم أو مسؤوليتهم ضرورة، لابد منها لقيام الدولة وسياستها، وضبط أعمالها، وتدبير شؤونها، لكي لا يحصل الخلل والفوضى والارتجال في أعمال الحكومة وفي إدارة شؤونها، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} ، وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه:"إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة، فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم، ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكا له ولهم"رواه الدارمي.
وفي زماننا هذا الذي تشعبت فيه وتوسعت سبل العيش وأساليب التعامل وشؤون الحياة، وتوسعت معها أعمال الحكومة، وتنوعت إداراتها ووزاراتها، تحتاج الحكومة إلى كتابة الأوامر والأنظمة حتى تدار أعمال الحكومة بانتظام وإتقان.
والواجب أن تكون الأوامر والأنظمة مستنبطة من الشريعة الإسلامية، وتحقق المصالح التي تقتضيها مقاصد الإسلام وقواعده العامة، ولايجوز أن يستمد شيء منها من الطواغيت كالقوانين الوضعية وغيرها، فإن هذا من التحاكم إلى الطاغوت والشرك بالله تعالى، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو ا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُو ا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} .
ويتولى كتابة أنظمة الحكومة الإسلامية من جمع بين العلم الشرعي، والاختصاص بالعمل الذي يكتب فيه، فإذا لم يتوفر الذين يجمعون بين العلم الشرعي والاختصاص، ففي هذه الحالة يتولى أهل العلم الشرعي كتابة الأنظمة، ويستعينون عند الحاجة بأهل الاختصاص لمعرفة تفصيل ما يكتب عنه، دون أن يشارك المختصون الذين ليسوا من علماء الشريعة في كتابة الأوامر والأنظمة.
والواجب في كتابة أنظمة الدولة وكتابة التعليمات والأوامر تجنب محاكاة أساليب الكفار في كتابة قوانينهم، وتجنب التشبه بهم في صياغة الألفاظ والمصطلحات أو في التقسيمات والتفريعات، فإن الدولة الإسلامية تتميز بالصبغة الإسلامية في سياستها الداخلية والخارجية وعلاقتها الدولية، وفيما يصدر عنها من عهود أوأنظمة وأوامر وتعليمات، فلا يشوبها ويخالط نورها شيء من ظلمات الكفار، وما أوحته إليهم شياطينهم من قوانين وأنظمة ومصطلحات، وقد قال تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} .
وقال تعالى: {وَكَذالِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ منَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} ، والآيتان وغيرهما من الآيات تدل على أن مصدر قوانينهم وأنظمتهم وتشريعاتهم هو وحي الشياطين وتزيينهم.