فصل: الجهاد في سبيل الله
لقد خلق الله تعالى الخلق لغاية واحدة، وهي عبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ، وختم الرسالات بدين الإسلام, الذي لا يقبل من أحد سواه, كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} ، وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، فالخلق خلق الله تعالى وعبيده, والأرض أرض الله, كما قال الله تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ، وقال تعالى {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} , وليست الأرض ملكا وحقًا للطواغيت الذين يتسلطون على قطعة من الأرض هنا أو هناك, ويستعبدون أهلها.
فقارة أمريكا الشمالية مثلا, أو قارة أمريكا الجنوبية, أو غيرها من القارات هي أرض لله تعالى الذي له ملك السماوات والأرض, ومن يسكن في هذه القارات من الناس هم خلق الله تعالى, خلقهم لعبادته وحده لا شريك له, ولم يخلقهم لتستعبدهم الأحزاب السياسية الكافرة, فإذا تيقن المسلم بهذا الأصل من أصول الاعتقاد تبين له نعمة الله تعالى على العباد, ورحمته بهم إذ شرع جهاد الطلب وهو قتال الكفار في قعر دارهم لتكون كلمة الله هي العليا, وتحرر الأرض من استيلاء الطواغيت عليها, ويحرر الناس من العبودية لغير الله تعالى.
وقد دل على جهاد الطلب, وابتداء الكفار بالقتال, الكتاب والسنة والإجماع, فأما الكتاب, فقال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ} , وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} , وغيرها من الآيات, وقال صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, ويقيموا الصلاة, ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى"رواه البخاري ومسلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له, وجعل رزقي تحت ظل رمحي, وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم"رواه أحمد, وغيرها من الأحاديث, وقد أجمع علماء الأمة على جهاد الطلب, وهو من أظهر الإجماعات وأبينها.
فقد تواترت على جهاد الطلب نصوص الكتاب والسنة ودلت عليه غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته, كما دلت عليه أقوال الصحابة رضي الله عنهم وتابعيهم وجهادهم وفتوحاتهم, ومضى على هذا من اتبعهم بإحسان إلى يومنا هذا, فمن تدبر