أقوال الصحابة رضي الله عنهم وتابعيهم, وغزواتهم وفتوحاتهم,, وتدبر آثار فتوحاتهم التي لا تزال باقية وشاهدة إلى اليوم, ودخول الناس في دين الله أفواجا من أطراف الصين إلى المغرب, حصل له بمجموع ذلك علم ضروري أن هذا الإجماع من أبين الإجماعات وأظهرها, قال ابن النحاس رحمه الله:"اعلم أن جهاد الكفار في بلادهم فرض كفاية باتفاق العلماء. وحكي عن ابن المسيب وابن شبرمة أنه فرض عين" [1] .
و قال الشربيني رحمه الله:" (فللكفار حالان أحدهما يكونون ببلادهم) مستقرين بها غير قاصدين شيئا من بلاد المسلمين (ففرض كفاية) كما دل عليه سير الخلفاء الراشدين وحكى القاضي عبد الوهاب فيه الإجماع" [2] ، ونقل ابن عطية رحمه الله الإجماع في كتابه المحرر الوجيز.
فكل من قرأ من صغار المسلمين أو كبارهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم, وسيرة الصحابة رضي الله عنهم, وجهادهم وفتوحاتهم, تيقن بداهة أن جهادهم لإقامة دين الله في الأرض وإبلاغ الدعوة للناس, ولا يتبادر إلى ذهن أحدهم عندما يقرأ في فتوحات الأندلس مثلا, أن المسلمين فتحوها دفاعا عن دولة الإسلام, لأن ساكنيها كانوا يشكلون خطرا وتهديدا للدولة الإسلامية, ولو تحاشى ساكنوها تهديد المسلمين ودولتهم لما فتحها المسلمون.
فجهاد الطلب من الأمور الواضحة البينة, ومن المقررات عند علماء المسلمين وعوامهم, وقد مضى المسلمون على هذا, حتى أظهر في زماننا بعض المهزومين المبتدعة القول بإنكار جهاد الطلب وأن الجهاد في الإسلام إنما هو جهاد دفع فقط, وخالفوا بهذا كتاب الله تعالى, وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, والإجماع, واتبعوا المتشابه وحرفوا الكلم عن مواضعه وافتروا على الله الكذب وأنكروا فريضة من فرائض الله, وجعلوا لله شركاء في أرضه وخلقه, فغاية قولهم أن طواغيت الكفار وأحزابهم السياسية من حقهم أن يتسلطوا على أجزاء من أرض الله ويحكموا فيها, ومن حقهم أن يستعبدوا الشعوب التي تحت تسلطهم وقهرهم, كقول الذين قال الله تعالى عنهم: {وَجَعَلُوا للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} ، فتأمل قوله تعالى {مِمَّا ذَرَأَ} ، أي مما خلق، فهو تبارك وتعالى خالق كل شيء، والمشركون يجعلون له من خلقه جزءا، كما قال تعالى {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} .
وقد زل أيضا في هذا القول المنكر, والفرية العظيمة بعض أهل العلم الذين يظن فيهم الخير والدعوة إلى الحق حين استمعوا إلى شبهات المهزومين المفترين, وأعرضوا عن الكتاب والسنة والإجماع, فحصل لهم الضلال بحسب إعراضهم.
وأما حكم جهاد الطلب فهو فرض كفاية يفعل بحسب القدرة والإمكان, وقد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} , ومن فرض الكفاية تحصين الثغور وحمايتها, بمن تحصل بهم الكفاية من الجنود.
و أما الحالات التي يتعين فيها الجهاد فهي ثلاث حالات:
(1) مشارع الأشواق.
(2) مغني المحتاج.