فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 309

شروط من يتولى القضاء وصفاته:

يشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون فقيها مجتهدا عالما بالكتاب والسنة، عدلا تقيا مكلفا ذكرا، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"متفق عليه، وهو يدل على أن القاضي لابد له من الاجتهاد والنظر في الأدلة وأقوال أهل العلم، وترجيح القول الذي دل عليه الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي، وقد قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} ، فلا يجوز إغلاق باب الاجتهاد أمام القضاة، وإلزامهم بمذهب معين أو بكتاب معين يكتبه بعض علماء الشريعة، ويسمونه بالقانون الجنائي أوالقانون المدني أو غيرهما من الأسماء التي يشابهون بها أسماء القوانين الوضعية، قال ابن قدامة رحمه الله:"ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافا، لأن الله تعالى قال {فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} والحق لا يتعين في مذهب وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب, فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط، وفي فساد التولية وجهان، بناء على الشروط الفاسدة في البيع" [1] .

ومن الخصال التي ينبغي للقاضي أن يتصف بها أن يكون حليما عفيفا صليبا، لا يخاف في الحق لومة لائم، قويا من غير عنف، لينا من غير ضعف، قال مزاحم بن زفر قال لنا عمر بن عبدالعزيز: خمس إذا أخطأ القاضي منهن خصلة كانت فيه وصمة أن يكون فهما حليما عفيفا صليبا عالما سؤولا عن العلم"رواه سعيد بن منصور في السنن وابن سعد في الطبقات، ورواه ابن سعدأيضا بلفظ نحوه ولفظه:"لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا، حتى تكون فيه خمس خصال: عفيف حليم عالم بما كان قبله يستشير ذوي الرأي لا يبالي ملامة الناس"، فقوله:"كانت فيه وصمة"أي إذا فقد القاضي إحدى هذه الخصال كان فيه عيب، وهي أن يكون"فهما"وهي صيغة مبالغة من الفهم، و"حليما"فلا ينتقم لنفسه ويصبر على الأذى، وأن يكون"عفيفا"أي عن الحرام فإن التقوى والعدالة من شروط تولي القضاء، وقوله"صليبا"من الصلابة أي أن يكون شديدا قويا في الحق، فلا يتبع الهوى بل يقضي بالحق ويرفع الظلم، ولايخاف في الله لومة لائم، وقوله"عالما سؤولا عن العلم"أي أن يكون عالما ويشاور ويسأل غيره من أهل العلم."

وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن حميد أن إياس ابن معاوية لما استقضى أتاه الحسن فبكى، فقال ما يبكيك قال يا أبا سعيد بلغني أن القضاة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة، فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان عليهما السلام، والأنبياء حكما يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود، ثم قال يعني الحسن إن الله اتخذ على الحكام ثلاثا لا يشتروا به ثمنا قليلا، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشوا فيه أحدا، ثم

(1) المغني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت