لا يصح إيمان العباد إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة، والتحاكم إليهما في جميع الأقوال والأعمال والسياسات، فإن سياسة الدولة كغيرها من شؤون الحياة الحكم فيها لشرع الله تعالى، ولا يجوز اتباع غير شرع الله في شيء منها، كاتباع الأهواء والاستحسانات العقلية، أو اتباع أنظمة الكفار وقوانينهم أو غيرها، فإن هذا من الشرك بالله تعالى في الحكم والتشريع، وقد قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} .
وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ,وقد أخرج ابن جرير وغيره عن ابن مسعود في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} قال:"حبل الله القرآن"، فأمر تعالى بالاعتصام بكتابه والاجتماع على ذلك، ونهى عن التفرق والاختلاف الذي منشأه من اتباع الأهواء والبدع والشهوات، وعن أبي شريح الخزاعي قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال"أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟"، قالوا: بلى قال:"إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا"رواه الطبراني في الكبير، وقد نهى الله تعالى عباده أن يتفرّقوا كما تفرّق واختلف الذين من قبلهم من الأمم الماضية اتباعا لأهوائهم، من بعد ما جاءهم البيّنات الموجبة لهدايتهم واجتماعهم, فقال تبارك وتعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله:"كالذين تفرّقوا واختلفوا"قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله"."
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: {كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} قال:"هم أهل الكتاب نهى الله أهل الإسلام أن يتفرّقوا ويختلفوا، كما تفرّق واختلف أهل الكتاب".
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن"قال: كيف يصنع أهل هذه الأهواء الخبيثة بهذه الآية في آل عمران {كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} قال: نبذوها وربُّ الكعبة وراء ظهورهم".
و قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} أي تبيضّ وجوه أهل الإيمان، وتسودّ وجوه أهل الكفر وأهل البدعة والفرقة. وقد أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} قال:"تبيضّ وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودّ وجوه أهل البدعة والضلالة".