فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدها ومنافيها، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلّم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده، وإنما حاجتهم إلى من يبلّغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظ لا يتطرّق إليهما تخصيص، عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة لاتحوج إلى سواها، ولا يتمّ الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به" [1] ."
فإن الله تعالى أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالحق والعدل، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} فجعل الله تعالى المقصود من إرسال الرسل، وإنزال الكتب قيام الناس بالعدل في حق الله وحقوق العباد، فالقرآن والميزان وهو العدل وما يعرف به العدل متلازمان، فكل ما جاء به شرع الله فهو حق وعدل, وكل ما خرج عن شرع الله وخالفه من سياسات أو أحكام أو غيرها فهو ظلم وجور، وقد قال الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} فكل حكم غير حكم الله تعالى فهو ظلم وكفر، وكل من حكم بين الناس بغير شرع الله تبارك وتعالى فهو كافر ظالم قد حكم بالظلم، ولو ادّعاه عدلا.
(1) إعلام الموقعين.