وقال تعالى: {وَأَنَّ هَاذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذالِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، وقد أخرج الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"خطّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم خطاًّ بيده، ثم قال:"هذا سبيل الله مستقيما"ثم خطّ خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال:"وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَاذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} ".
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله تعالى {وَأَنَّ هَاذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} قال"اعلموا إنما السبيل سبيل واحد، جماعه الهدى ومصيره الجنّة، وأن إبليس اشترع سبلا متفرّقة، جماعها الضلالة ومصيرها النار".
وأخرج عبد بن حميد وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} قال: البدع والشبهات"، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} قال:"الضلالات"، فوحّد الله تعالى سبيل الحق, وعدّد سبل الضلالة في الآية لكثرتها، كما وحّد الله تعالى النور وعدّد الظلمات في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فصراط الله تعالى المستقيم واحد وهو دين الإسلام، وأما طرق الشيطان فهي كثيرة ومتعدّدة، وهي التي تشعّبت بأكثر الناس، وأخذت بهم إلى أنواع الكفر وصنوف الانحراف."
و قد أمر الله تعالى عباده بإقامة الدين وعدم التفرق فيه، فقال تبارك وتعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم أن الأمة سوف تفترق، وبيّن سبيل النجاة عند الافتراق والاختلاف، كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول:"لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك"رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة، وعنه رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودّع فأوصنا، قال:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد حبشيّ، وأنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين، عضوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"رواه أبو داود والترمذي، وقد روى عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال:"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار"قيل: يا رسول الله من هم؟ قال:"الجماعة"رواه ابن ماجة، وفي رواية عبد الله بن عمرو: قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال:"ما أنا عليه وأصحابي"رواه الترمذي، فبيّن صلى الله عليه وسلّم أن الطائفة الناجية هي التي تكون على مثل ما كان عليه النبي